رشاد بن بولس سلامه
مُنذُ رَيِّقِ الفُتوَّة ، رأى إلى أبيه عنواناً بهيّاً آل إليْهِ بدون عناء ، وما انفكَّ يُباهي به في كلِّ ظرفٍ وآنٍ.
كان لقريته بتدِّين اللقش الجزّينيّة مقامٌ أثيرٌ في ذاكرته ، بل في أعمقِ وجدانه والصميم.
تَنَقَّلَ بين مدرسة الحكمة ، ومدرسة دير المخلّص ، ومعهد سيدة مشموشة فمدرسة الحكمة حيث نالَ شهادتي البكالوريا والفلسفة.
أَحْرَزَ الإجازة في الحقوق من كُليّة الحقوق في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعييّن في بيروت، في العام 1958.
إِنْتسَبَ إلى نقابة المحامين في بيروت ، في العام 1959.
بَدَأَ تَدَّرُّجَهُ في مكتب المحامي موسى بْرَنْس ، وأَتَمَّهُ في مكتب المحامي أنيس حدّاد.
في خلالِ سنواتِ تَدَّرُجِهِ ، إعتلى منابرَ التعليم ، وَنَوَّهَ بما كان لممارسته تلك من تأثير وثيق في تطوير شخصيته وإحداثِ الأُلفة بين اللغة الفصحى وبينَه.
مارسَ السياسة بإنتسابه إلى حزب الكتائب اللبنانية، وأنتُخِبَ عضواً في مكتبه السياسيّ ، ثُمَّ نائباً أوّلَ لرئيسه قبلَ أن يستقيل حافظاً لرفاق الأمس صداقاتٍ وموَّداتٍ باقيات.
أتاحت له تجربتُه الحزبيّةُ المديدة هذه اعتلاءَ منابرِ المناسبات السياسيّة والوطنيّة والحزبيّة ، أمام حشود الجماهير يُخاطبها خطيباً واثقاً ، مُتماسكَ الكلمة والنبرة، مُتناسِقَ الفكرة والحركة.
هْناكَ ، فوق أعوادِ المنابر ، تَجلَّى خطيباً سياسياً خطيراً ذا بأسٍ وعنفوان ، بِسَبَبٍ من عبارته الخطابيّة الفسيحة ، والحسَنَةِ السُّبْك ، والمتأجِّجة ، والمزمجرة ، والمرّدِدَة صَدى أُمَّةٍ واقفةٍ ومتماسكة ، والمتَرْجمة بِلغَةٍ حماسية وملحميّة ، مُعاناة وَطّنٍ وشعب، والراسمة فجراً من تضحياتٍ حمراءَ ينبَلجُ .
كَأَنَّهُ الوطنُ كانَ على لِسانه يَتَكلَّمُ .
كانَ قلبُهُ يخطبُ . والوفودُ لَمْ تَكُنْ إِزاءَ بَلاغة ، إنما حيالَ ذُهُولٍ وَنشْوةٍ كانتْ .
كانَ الإيمانُ يُحَرّكُهُ ، والدفاعُ عن القيمِ يُنْطِقُهُ ، والفروسيَّةُ تَجْعلُ نظراتِهِ جَمراتٍ ومَشاعلَ ، وَتُصيِّرُ عباراتِهِ حمماً من نار ، وتُحوِلُ صَوْتَهُ الفاتِنَ مَدافعَ .
في العام 1975 ، إنتُخِبَ أميناً عاماً " للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم . وأُعيد إنتخابُه لِولاياتٍ خمْس .
في العام 1986 ، عمل كمستشار من الفئة الأولى لدى منظّمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة
" الفاو" ...
نَهَد إلى السياسة طامحاً إلى نيابةٍ ووزارة : أمّا الأُولى فإرتَدَّ عنها مرشحاً خائباً . أما الثانية فخطرت له فأرادها .
راوَدها فَرَاوَدَتْه . أَغْواها فَراوَغَتْهُ . وإلى لقاءٍ ووصال تواعَدا ، مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ، فأَخْلَفَتِ الوعدَ ، ونكَثَتِ العهدَ .
في مكتبة أبيه ، وعلى لسان أبيه ، قرأ الحضارات والديانات ، وآثار القدامى ، وتعاليم آباء الكنيسة ، والمجامع المسكونية ، وسيد الفقهاء والأئمة ، والفلسفات ، والآداب ، والعلوم والفنون، والقوانين والتشريعات ، وأدرك أن المعارف تجتذبه والثقافات تستهويه فإختزن منها وأذخّر .
وما قرأه ، صبيّاً ويافعاً ومراهقاً وتمثّله ، ظلِ يغتذي منه شاباً وكهلاً وشيخاً ، ويغذيه ، ويسدّد قوله ، ويعصم عقله ، ويكون لفصاحته المنبعَ الخفيّ السخيّ .
بإتقان ، على غاية الكمال ، سار رشاد . أتعب ولم يتعب .
في طليعة الأوائل زاحم واقتحم فإنكفأ دونه بواسلُ من وكر النسور ذاك ، ذلك الفرخ الذي صار هذا العُقاب .
حَبْته السّليقة ، كما البيت ، بالّنِعَم . ولكأنه نطق ، وهو بعدُ ، في الرَحمِ .
ولكأن التربية والضنى صقلا فيه أصالة في الفكر ، وإستقامة في السيرة ، ونبرة في القيادة ، وشموخاً في التواضع ، وشجاعة في تحطيم ما ظُنّ مقدسات .
وأنعمت عليه الطبيعة بصفات فطرية ثابتة .
قَوامٌ فارع ، بِنية متماسكة ، جِبلّة جبلية ، جبين عال ، طلعة شديدة البأس وضّاحة ، محيّا كلّ ما فيه مغر وجاذب ، عينان نافذتان إلى أعماق وأغدار تنضحان عذوبة وتقدحان لهباً .
أناقة في حركة ولفظ ، في ملبس ومجلس .
مخالطة حسنة ، معاشرة حلوة ، وإيناس في محادثة .
صوت جهير ذو رنين يعبّر عن لطائف الفكر ، وعن ظلال الفروق ، ويهيمن على أي ضوضاء .
ذاكرةٌ لا تخون .
رزانةٌ وسماح وهوادة .
دماثةٌ ولياقة .
ظرافةٌ وفكاهة ودعابة .
عزةُ نفس أبية .
عزيمة لا تتردد أو تَحار .
إقدامٌ جسور ، ونخوة وفروسية .
سماحةٌ ورحابة صدر .
نزاهةٌ وشممُ خُلْق .
ملاقاة مفعمة بالبشر والبشاشة والأنس .
ملامح وقسمات توحي بمهنته ومهمته .
تحلو له حياةٌ يرتع فيها بمباهج العقل ولذات الفكر ، ويحلو له عيش يتمتع فيه بملذات وهناءات وإنشراح وإرتياح.
فيما كان يدرس القانون في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت ، تابع تحصيله في صومعة أبيه بولس سلامه : القاضي الرصين المتبحّر ، والشاعر والناثر المتفجر مواهب وكفاءات ، فإستقى من هذه وتلك ، فلسفة القانون ومبادئه العامة ، وإستمّد روح الشرائع ، ووَقفَ على مذاهب كبار الحقوقيين وكتابات الفقهاء ، وألّمّ بعلم أصول الشريعة الإسلامية .
كان يدرك أن ليس لبحار العلوم القانونية قيعان وليس لها ضفاف ، وأن على مَنْ تحدّثه نفسه بخوض غمارها أن يتخذ الأناة رفيقة ، والمشقَّة شقيقة ، والقلمَ أنيساً ، والكلمةَ عروساً .
غاصَ في دراسة ملفّاتٍ تنوعت موضوعاتها ، وتباعدت مراميها ، وعَكَفَ على تفحّص المستندات والشهادات المتناقضة والمتقاطعة أو المتوافقة والمتطابقة ، وكان يجهّز الدعاوى أو يضع اللوائح والمذكرّات ، ويحرص على التدافع العلمي الرصين أمام مختلف المحاكم كلّما استشعر في المرافعة فائدة أو مصلحة .
إقتحَم قصورَ العدل إسماً شريفاً ، ونسباً نبيلاً ، وثقافةً جامعة ، ولغة عربية صميمة ، ولساناً فرنسياً طليقاً ، وطاقة ذهنية ظاهرة ، وقوة بدنية بادية تنُّمُ عن مقدرة على الدفاع والحماية والرعاية.
إلى ذلك وسواه من مزايا، كان الصوتُ والقدرةُ على الإقناع : أما صوته ، ففي مقدوره أن يكيف قدرته ومداه ، فهو ، تارة ، عصفُ ريح ، وطوراً ، نغمٌ رخيم .
أما قدرته على الإقناع فتتأّتّى من صرامة منطق ، وجدارة مشهورة ، وقوّة مُحاجّة لا تنال من أسلوبه الأنيق الرشيق ، الدافئ والمشرق والمشوّق .
ذات يوم ، كتب إلي يقول :
"بدأتُ حياتي المهنية محامياً هاوياً للقضايا المدنية . ولكنها الصدفة ُشاءت أن أتوّلى إحدى القضايا الجنائية (قضية قتل) وإنتهيتُ فيها مترافعاً أمام محكمة جنايات جبل لبنان ، حيث كان حاضراً أحد عمالقة الجزاء في لبنان ، المغفور له النائب الدائم والوزير الشيخ بهيج تقي الدين ، فسمع المرافعة وأعجب بها ، فاتصّلَ بوالدي هاتفيا ، مبدياً له رغبته بأن أنضّمَ إلى مكتبه.
وما أن أعلمني والدي بالأمر ، حتى قبلت على الفور فأقفلت مكتبي ، وإلتحقت بمكتب " الشيخ بهيج " حيث تعهدت كبريات القضايا الجنائية ، مختصراً هكذا طريقي إلى الشهرة ....."
وعلّقْت على ما كتب إليَّ رشاد بقولي :
عرفت الخيل فرسانها "
وعرف " الشيخ بهيج " من هو أشبه به من التمرة بالتمرة.
وعرف خيرُ من يستعين به على عمله فأعطى القوس باريها.
توّلى رشاد معظم القضايا التي نظر فيها المجلس العدلي منذ أواسط ستينات القرن الماضي، مدعياً أو مدافعاً، أشهرها :
- قضية مقتل عبدالله عادل عسيران ، رئيس مجلس النواب الأسبق.
- قضية مقتل المهندس داني كميل شمعون وأفراد عائلته .
- قضية إغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكيلاً عن العميد خليل مطر .
ومن أشهر الدعاوى التي ترافع فيها أمام محاكم الجنايات:
- دعوى شبوع ، وهي أولى جرائم القتل المرتكبة بوسيلة إرهابية .
- مقتل طفل بيت شباب بعد إختطافه .
- مقتل غاريوس رزق في بقعاتا – عشقوت ...
يكتب مرافعاته بدقة وتدقيق ، بعناية وإتقان ، ويتحسب للإعتراضات والردود ، ويجهز الأجوبة والمواجهة .
ومما كان يردّد : " إن سر المرتجلين الأكبر هو أنهم لا يرتجلون أبداً " ، ويردف فعلينا : " عندما أبدأ خطابي ، فإنّ الفكرة التي أعبر عنها لطالما رددّتها في رأسي إلى أن تمكنت من جعلها على هذه الدرجة من الوضوح حيث تنحفر تلقائياً . أنا ، في الواقع ، وفي الحقيقة ، لا أرتجل إلا لأن لي ذاكرة قوية أستعيد منها، لاحقاً، ما أشاء، عند حاجتي إليه ".
لقد أسبغَتِ الفطرةُ على محامينا الأمير ذاكرة نادرة خولته ، بعد ثلاثين عاماً على تخليه عن الإسبانية ، وهي لغة والدته "الأرجنتينية" أن تنبعثها من سباتها حينما أحتاج إليها فحضرت وإنتفضت ونفضت عن منكبيها ما ظَنّه صار رميماً . وسمع محامينا لغة أمّه العائدة إلى الحياة تنشد مع أبي الطيّب المتنبي:
"كم قد قُتِلْتُ وكم قد مُتّ عندكُمُ
ثم أنتفضّْتُ فزالَ القبرُ والكفَن!
ومما يؤثر عنه أن في مقدوره أن يحوّل المحكمة إلى مسرح يبعث فيه الحياة بقريحته ، بخياله المبدع ، بطرافته ، ببلاغته الأخاذة والمتفننة.
وعلى غرار عازف كمان متضلع في فنه ، مسيطر على آلته ، يبرع في أن ينفخ في صوته تموج التهكم أو نبرة السخط المكبوت الملتهبة ، وبعد هنيهة ، نغمة ، الرحمة والشفقة.
وخير ما نختم به محاولتنا في رسم رشاد ، أن الشكل ، وحده ، عنده ، هو إبداع فوري ، وأن هاتيك الوثبات الخطابية الرائعة قلّما تخضع لإنتظام نص سبق وضعه : فخطيبنا الكبير المتمرس بفنه ، يحملُه موضوعُه ، ويفلت من الإعداد ، وترفعه الحمية إلى الذرى ، إلى فورة النفس التي كان القدامى يعتبرونها وحياً ربانياً.
ومن مآثر رشاد أنه والزميل المقتدر الآخر الدكتور دياب يونس ألفّا فريق عمل ثنائياً يوم عهدت إليهما معاً الإضطلاع بدورات تدريبية لدعم الإحترافية المهنية بالتعاون مع Acojuris فتوّليا تنشئة منشّئي المحامين ، فعقدا ، عى مدى ستة أشهر ، دورات تدريبية ومحاضرات وتمارين عملية ...
كان ذلك في " بيت المحامي " ، بيروت ، في ربيع وصيف العام 2011.
فما أطيَبَ الائتلافَ ، وأُحّيلى الإختلافَ مع من يَكنْزِوُنَ ما يكْنِزُ رشاد!
أيها الراحل الكريم، صديقي وصديق أبي، بوداعك يمتزج الدمع والوجع وأرّدد مع الشاعر:
" وكانت في حياتك لي عظات
وأنت اليوم أوعظ منك حياً ".
أمل فايز حداد
نقيبة المحامين سابقاً
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض