إيفيان وما بعدها: هل تتحول هدنة واشنطن وطهران إلى صفقة إقليمية؟

آراء 17-06-2026 | 14:52

إيفيان وما بعدها: هل تتحول هدنة واشنطن وطهران إلى صفقة إقليمية؟

إن حضور قطر والإمارات ومصر في إيفيان يعكس محاولة عربية، بدرجات متفاوتة، للتأثير في مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني ومنعه من التحول إلى صفقة ثنائية مغلقة.
إيفيان وما بعدها: هل تتحول هدنة واشنطن وطهران إلى صفقة إقليمية؟
مروحية ترامب. (ا ف ب).
Smaller Bigger

 

لا يمكن قراءة مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية بوصفها مجرد تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، كما لا يمكن التعامل مع الحضور القطري والإماراتي والمصري في قمة مجموعة السبع في إيفيان باعتباره حضوراً بروتوكولياً أو مجاملة دبلوماسية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فالقمة، التي انعقدت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت بعد حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز، وبعد تمدد آثار المواجهة إلى لبنان والخليج وأسواق الطاقة العالمية. لذلك بدا واضحاً أن إيفيان لم تكن مجرد قمة للدول الصناعية الكبرى، بل تحولت إلى منصة لاختبار إمكان الانتقال من وقف الحرب إلى تفاهم إقليمي أوسع.

 

في هذا السياق، يكتسب التصريح القطري، الذي يفيد بأن مذكرة التفاهم بين الأميركيين والإيرانيين قد تؤدي إلى تفاهم إقليمي، أهمية خاصة. فالدبلوماسية القطرية لا تقرأ الاتفاق من زاوية وقف إطلاق النار وحده، بل من زاوية تحويله إلى مسار تفاوضي قابل لأن يشمل أمن الملاحة، وضمانات عدم التصعيد، وترتيبات اقتصادية وأمنية أوسع. وقطر، بحكم موقعها كوسيط نشط في عدد من الملفات الإقليمية، تدرك أن أي تفاهم أميركي ـ إيراني سيبقى هشاً إذا لم يُترجم إلى شبكة تفاهمات أوسع تشمل دول الخليج ومصر ولبنان والعراق واليمن، وربما تركيا لاحقاً.

 

ويعكس الحضور القطري في إيفيان هذا الدور تحديداً. فالدوحة تسعى إلى تثبيت موقعها كقناة تواصل بين واشنطن وطهران، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الوساطة وحدها لا تكفي إذا بقيت المنطقة موزعة بين جبهات مشتعلة. لذلك يمكن القول إن قطر جاءت إلى إيفيان وهي تحمل مقاربة مزدوجة تقوم على دعم التفاهم الأميركي ـ الإيراني بوصفه مدخلاً لخفض التصعيد، والدفع في الوقت نفسه نحو تحويله إلى إطار إقليمي لا يقتصر على الملف النووي أو مضيق هرمز.

 

فبالنسبة إلى قطر، لا ينفصل الاستقرار في الخليج عن الاستقرار في لبنان وغزة والعراق، ولا يمكن أن يقوم على مجرد تفاهم بين قوتين من دون إشراك الدول المتأثرة مباشرة بنتائجه.

 

 

أما الحضور الإماراتي، فيحمل معنى مختلفاً وإن كان مكملاً. فالإمارات تتحرك عادة من موقع الدولة الساعية إلى ضمان أمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار. لذلك فإن مشاركة أبوظبي في نقاشات إيفيان تعكس اهتماماً مباشراً بألا يتحول التفاهم الأميركي ـ الإيراني إلى مجرد رفع للحصار أو إعادة فتح لمضيق هرمز من دون ترتيبات أمنية مستدامة. وتريد الإمارات، على الأرجح، ضمانات تتعلق بحرية الملاحة، وعدم استهداف البنى التحتية الخليجية، ومنع عودة سياسة التهديد عبر الوكلاء أو الصواريخ أو تعطيل الممرات التجارية. ومن هذه الزاوية، تبدو أبوظبي معنية بتحويل التفاهم إلى بنية أمنية عملية لا إلى إعلان سياسي فضفاض.

 

أما مصر، فإن حضورها يضيف بعداً عربياً أوسع إلى النقاش. فالقاهرة ليست دولة خليجية، لكنها دولة مركزية في أمن الشرق الأوسط، وتمتلك موقعاً محورياً في ملف غزة، وأمن البحر الأحمر، والتوازنات العربية العامة. وتعني مشاركة مصر في إيفيان أن التفاهم الإقليمي المحتمل لا يمكن أن يبقى محصوراً بالخليج وإيران. فالقاهرة تنظر إلى أي تهدئة أميركية ـ إيرانية من زاوية تأثيرها على غزة والبحر الأحمر وشرق المتوسط ولبنان، وهي تدرك أن أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار المسألة الفلسطينية وأمن الممرات البحرية ووحدة القرار العربي سيبقى ناقصاً وقابلاً للانفجار.

 

وبهذا المعنى، يمكن القول إن إيفيان حاولت أن تجمع ثلاث وظائف عربية مختلفة: قطر كوسيط ومهندس لقنوات التواصل الخلفية، والإمارات كداعم قوي لمنطق الاقتصاد وحماية الممرات والأمن البحري، ومصر كقوة عربية مركزية تربط الخليج بغزة والبحر الأحمر وشرق المتوسط. وهذا التوزيع في الأدوار لا يعني وجود موقف عربي موحد بالكامل، لكنه يشير إلى أن العواصم العربية الأساسية لا تريد أن تترك التفاهم الأميركي ـ الإيراني يُصاغ من دونها أو على حساب مصالحها.

 

وتكمن المسألة الأهم هنا في أن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، إذا بقيت محصورة بين واشنطن وطهران، قد تتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر. أما إذا جرى تطويرها بحضور عربي وازن ، فقد تصبح بداية لمسار أوسع يقوم على ثلاث دوائر مترابطة.

 

الدائرة الأولى هي دائرة الخليج وهرمز، حيث يكون الهدف تثبيت حرية الملاحة ومنع استخدام المضيق كورقة ابتزاز استراتيجي. وهذا يتطلب ترتيبات رقابية وضمانات أمنية واضحة، لا مجرد تعهدات سياسية، كما يتطلب أن تشعر دول الخليج بأن أي تخفيف للعقوبات أو إعادة إدماج إيران اقتصادياً لن يتم على حساب أمنها المباشر.

 

أما الدائرة الثانية فهي دائرة الساحات العربية المفتوحة، وخصوصاً لبنان والعراق واليمن. فالتفاهم الإقليمي الحقيقي لا يُقاس فقط بإعادة فتح هرمز، بل بمدى نية إيران وتوفر الارادة لديها لاعادة النظر بعقيدة الوكلاء التي تمس سيادة الدول، وبمدى قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بعدم استغلال التهدئة لتثبيت وقائع جديدة على حساب لبنان وسلامة اراضيه. وفي لبنان تحديداً، يكمن الخطر في أن يتحول وقف إطلاق النار إلى بند داخل مقايضة أميركية ـ إيرانية من دون ضمان انسحاب إسرائيلي كامل، أو حصر السلاح بيد الدولة، أو تنفيذ القرار 1701. لذلك يجب على لبنان أن يرفض أن يكون مجرد موضوع داخل التفاهم، وأن يتمسك بأن أي تهدئة يجب أن تمر عبر الدولة اللبنانية، لا عبر التفاوض على الساحة اللبنانية بين الآخرين.

 

أما الدائرة الثالثة فهي دائرة غزة والبحر الأحمر، وهنا يأتي الدور المصري بشكل خاص. فلا يمكن بناء تفاهم إقليمي مستقر إذا بقيت غزة خارج أي معالجة سياسية جدية، أو إذا بقي البحر الأحمر عرضة للاستخدام كساحة ضغط عبر الحوثيين أو غيرهم. فالممرات البحرية لا تبدأ في هرمز وتنتهي فيه، بل تمتد إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط. ومن هنا، فإن إدخال مصر في نقاشات إيفيان يعكس إدراكاً بأن أمن الخليج مرتبط أيضاً بأمن البحر الأحمر وغزة.

 

ومع ذلك، يجب عدم المبالغة في التفاؤل، إذ إن الوصول إلى تفاهم إقليمي أوسع يصطدم بعقبات كبيرة. أولى هذه العقبات أن إسرائيل ليست بالضرورة مندمجة في هذا المسار، وقد تسعى إلى تعطيله إذا رأت أنه يمنح إيران مكاسب سياسية أو مالية من دون تفكيك كامل لأدوات نفوذها. أما العقبة الثانية فتتمثل في أن إيران قد تقبل بتفاهم حول هرمز والعقوبات والملف النووي، لكنها ستقاوم أي مسار يفرض عليها التخلي عن أوراقها الإقليمية دفعة واحدة. وتكمن العقبة الثالثة في أن دول الخليج نفسها ليست على درجة واحدة من المقاربة؛ فقطر تميل إلى الوساطة، والإمارات إلى الضمانات الأمنية والاقتصادية، فيما تفضّل السعودية غالباً التريث وعدم منح غطاء سياسي مبكر قبل اتضاح التزامات إيران. أما مصر فتنظر إلى الموضوع من زاوية غزة والبحر الأحمر والاستقرار العربي العام.

 

لذلك يمكن القول إن إيفيان قد تفتح الباب أمام سؤال كبير: هل يمكن تحويل وقف الحرب الأميركية ـ الإيرانية إلى اعادة هندسة إقليمية؟ إن الجواب يتوقف على قدرة الأطراف على الانتقال من منطق وقف إطلاق النار إلى منطق الضمانات، ومن منطق المقايضة الثنائية إلى منطق الترتيب الجماعي، ومن منطق استخدام الساحات العربية كورقة تفاوض إلى منطق احترام سيادة الدول العربية.

 

وبالنسبة إلى لبنان، تبدو هذه اللحظة دقيقة للغاية. فإذا نجح المسار الإقليمي، يمكن للبنان أن يستفيد من وقف إطلاق النار، والضغط على إسرائيل للانسحاب، وانتشار الجيش، وتثبيت القرار 1701. أما إذا فشل هذا المسار وعاد ليستخدم كاداة ضغط بين الأطراف، أو جرى اختزاله بتفاهم أميركي ـ إيراني على حساب البلدان الأخرى، فقد يجد لبنان نفسه مرة جديدة على طاولة تفاوض لا يجلس إليها، وموضوعاً في صفقة لا يملك شروطها.

 

وخلاصة القول إن حضور قطر والإمارات ومصر في إيفيان يعكس محاولة عربية، بدرجات متفاوتة، للتأثير في مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني ومنعه من التحول إلى صفقة ثنائية مغلقة. لكنه يكشف أيضاً أن المنطقة تقف أمام فرصة محفوفة بالمخاطر: فرصة تحويل الهدنة إلى تفاهم إقليمي، وخطر تحويل الساحات العربية، وفي مقدمها لبنان، إلى أثمان جانبية في هذا التفاهم. لذلك لا يكفي أن يرحب لبنان بأي وقف إطلاق نار محتمل، بل عليه أن يطالب بنص تنفيذي واضح يربط التهدئة بالانسحاب الإسرائيلي الشامل وتطبيق القرار 1701 بضمانات دولية.