اشكالية الامتحانات الرسمية هل هذا معقول ؟
ابتسام غنيمة
تضجّ مواقع التّواصل الاجتماعيّ بالاستياء من وزيرة التّربية في ما يخصّ الامتحانات الرّسميّة، ويصوّرها البعض بأشكال كاريكاتوريّة بعيدة كلّ البعد من التّحضّر والرّقيّ. كلّ هذا لأجل ماذا؟
أخْذ إفادات بدل الشّهادات الرّسميّة.
الكلّ يطالب بهذا النّجاح المجّانيّ. وهي تعاند. وهذا أمر طبيعيّ؛ فهل للوزيرة أن ترضخ لطلب التّلامذة بدل أن ترضخ للحكمة في القرار؟!
لو كنت مكانها لتصرّفتُ مثلها!
المستوى الدّراسيّ في لبنان منحدرٌ حتّى القاع، ينخر في مفاصله السّوس. والتّلاميذ يتخرّجون ويدخلون الجامعات، وما أكثرها، وهم لا يجيدون كتابة جملة، أو حلّ مسألة، ولا يحملون من خزّان المعرفة إلّا دلوًا فارغًا.
معالي الوزيرة التي، صدقًا، لا أعرفها شخصيًّا، تبدو لي، وبكلّ تأكيد، صاحبة عقل راجح. وأرى من منظور شخصيّ أنّ في تصرّفها ومواقفها وعيًا كاملًا وإدراكًا عميقًا للبنية التّربوية في لبنان. وأرجّح الآتي:
-إذا أعلنت الوزيرة إلغاء الامتحانات الرّسميّة قبل فترة من موعدها، سيتوقّف التّلامذة عن الدّرس، وستكون النّتيجة: "Tout le monde a gagné". وبالتّالي ستكون نسبة النّجاح مئة بالمئة؛ هل هذا معقول؟!
-إذا تمّ إجراء الامتحانات الرّسميّة في موعدها، لا خوف على أبنائنا. فالكلّ يتفوّق وينال درجات جيّدة وممتازة، سيّما وأنّ التّعاون (كي لا أقول الغشّ) سيّد الموقف في معظم المراكز. وربّما سبق الأخيرُ في الصّفّ، بعلاماته ودرجته، زميلَه الذي تميّز في المدرسة طوال العام الدّراسيّ. وستكون النّتيجة: " Tout le monde a gagné". وبالتّالي، هل هذا يصبّ في مصلحة التّلميذ عمومًا، وخصوصًا مَن اجتهد وجدّ؟ هل هذا معقول؟!
وعليه، في الاحتمالَين، النّتيجة واحدة.
معالي الوزيرة لا تعيش خارج كوكب الأرض، وهي تعرف ألم الجنوب والوطن، وطبعًا لا تريد أن يكون قرارها طعنةً في خاصرة أرض يعوّل مستقبلها على أبنائها.
ليستعدّ التّلامذة وكأنّ الامتحانات أمر ثابت لا مفرّ منه!
ليستعدّوا بثقة واندفاع ومسؤوليّة كاملة!
ليكن الاتّكال على الذّات شعارهم!
ليرفعوا راية: "أنا أستحقّ" بدل التّراخي والكسل!
مَن يدري؟ فقد يأتي يوم، ربّما قبل الامتحانات الرّسميّة بساعات، حين تنضج الطّبخة...
حين يصبح الجيل النّاقم جيلًا واعدًا بحقّ...
حين يمتلئ العقل علمًا ويطلب المزيد...
حين يصبح كلّ تلميذ مشروع طالب...
حين نعرف أنّ الجامعة سلّم الارتقاء...
حين لا نخشى مواجهة الواقع مهما كان...
حين نصبح أهلًا لبناء لبنان...
عندها، أظنّ، أنّها معاليها ستسمح بإلغاء الامتحانات الرّسميّة في هذه السّنة الاستثنائيّة، وبالحصول على إفادات نجاح لمَن خوّلَته علاماته المدرسيّة النّجاح، وليس لكلّ مَن هبَّ ودبّ في وطن تهبّ عليه الرّياح من كلّ جانب، ويدبّ محاولًا النّهوض، متّكئًا على جيل يرى فيه نهضته وقيامته.
نبض