الامتحانات الرسمية بين السيادة التعليمية واستدامة رأس المال البشري
ا
البروفسور ميراي شدياق الحاج
عضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
تُشكّل الامتحانات الرسمية في لبنان اليوم مؤسسة مركزية في الحفاظ على وحدة المعايير التربوية وضمان استمرارية الاعتراف بالشهادات اللبنانية داخليًا وخارجيًا. وفي سياق اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو ٥٨٪ منذ عام ٢٠١٩ وفق تقديرات البنك الدولي، وتراجعت قيمة العملة بأكثر من ٩٥٪، وارتفعت معدلات الفقر إلى ما يفوق ٧٠٪ وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تبرز أهمية الامتحانات الرسمية كإحدى الأدوات القليلة المتبقية التي تحفظ الحد الأدنى من انتظام المنظومة التعليمية الوطنية.
يرتبط هذا الدور بشكل مباشر بالبنية الاقتصادية اللبنانية التي تعتمد تاريخيًا على التحويلات المالية من المغتربين، والتي تُقدّر بنحو ٦ إلى ٨ مليارات دولار سنويًا، أي ما يقارب ٢٥ إلى ٣٥٪ من الناتج المحلي قبل الأزمة. هذه التحويلات تعكس، بصورة غير مباشرة، جودة النظام التعليمي اللبناني وقدرته على إنتاج رأس مال بشري مؤهل للاندماج في أسواق العمل الخارجية. وعليه، فإن انتظام العملية الامتحانية ومصداقيتها يسهمان في تعزيز فرص الخريجين اللبنانيين في الخارج، بما ينعكس لاحقًا على استقرار تدفقات التحويلات المالية التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد والأسر في لبنان.
في المقابل، يواجه هذا النظام تحديات متزايدة تتعلق بعدم تكافؤ الوصول إلى الامتحانات بين المناطق، في ظل تفاوت الظروف الإدارية واللوجستية، إضافة إلى اعتبارات أمنية في بعض المناطق مثل الجنوب والبقاع، ما قد يؤثر على سهولة تنقل الطلاب ووصولهم إلى مراكز الامتحانات. كما أن استمرار النموذج المركزي التقليدي يفرض أعباء تشغيلية متزايدة على الدولة في ظل محدودية الموارد العامة، ما يطرح .تحديات على مستوى الاستدامة الإدارية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، ومع ما قد تفرضه بعض الظروف الاستثنائية في مناطق محددة من صعوبات على حركة الطلاب بين المراكز، يصبح من الضروري اعتماد مقاربة أكثر مرونة تضمن الحق في التقييم دون الإخلال بسلامة المتعلمين أو مبدأ تكافؤ الفرص.
وفي المقابل، فإن أي تراجع غير منظم في الامتحانات الرسمية أو في مستوى موثوقيتها قد ينعكس سلبًا على وحدة المعايير الوطنية، وعلى الاعتراف الخارجي بالشهادات اللبنانية، الأمر الذي قد يؤثر تدريجيًا على فرص الاندماج في أسواق العمل الدولية، وبالتالي على حجم التحويلات المالية في المدى المتوسط والطويل.
في هذا الإطار، لا يُطرح ملف الامتحانات كخيار بين الاستمرار أو الإلغاء، بل كمسألة تتعلق بتطوير آليات عمل تضمن الاستمرارية ضمن الظروف القائمة. ويقتضي ذلك الحفاظ على امتحانات وطنية موحدة في المواد الأساسية حيثما تسمح الظروف، إلى جانب توسيع مراكز الامتحانات قدر الإمكان لتسهيل الوصول وتقليل الأعباء على الطلاب. كما يمكن، عند الضرورة وفي الحالات الاستثنائية، اعتماد تقييم مدرسي منظم وفق معايير وطنية موحدة وبإشراف تربوي مركزي، بما يضمن الحفاظ على الحد الأدنى من العدالة التربوية واستمرارية العملية التعليمية، خصوصًا في الحالات التي يصبح فيها التنقل بين المناطق غير ممكن أو غير آمن. ويقوم هذا التوجه على مبدأ أساسي يتمثل في أن وحدة المعايير التربوية لا تتحقق فقط عبر وحدة المكان، بل عبر وحدة المنهج والمعايير وآليات التصحيح، بما يحافظ على مصداقية الشهادة اللبنانية في الداخل والخارج.
في الخلاصة، تمثل الامتحانات الرسمية عنصرًا أساسيًا في استقرار النظام التربوي اللبناني، نظرًا لارتباطها المباشر بإنتاج رأس المال البشري، وبقدرة الخريجين على الاندماج في أسواق العمل الخارجية، وما يترتب على ذلك من استدامة أحد أهم مصادر الدخل الوطني المتمثل بالتحويلات المالية. ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على انتظامها وتطوير آلياتها ضمن الإمكانات المتاحة يشكل شرطًا أساسيًا لضمان استمرارية المنظومة التعليمية والاقتصادية في لبنان.
وفي بلد فقد معظم أدواته السيادية، لا تعود الامتحانات الرسمية تفصيلًا إداريًا، بل تتحول إلى اختبار حاسم لقدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من معيارها الوطني ومنع تآكله. إن أي تردد في إصلاح هذا النظام أو تركه يتآكل تدريجيًا لا يهدد فقط انتظام العملية التربوية، بل ينعكس أيضًا على أحد أعمدة الصمود الاقتصادي في لبنان، ويضعف في الوقت نفسه أحد أبرز الروابط التي ما زالت تصل لبنان بالاقتصاد العالمي، أي رأس ماله البشري.
ا
نبض