تسعون دقيقة من الحياة: المونديال في لبنان بين اجتياح 1982 وضجيج حرب اليوم

لبنان 05-06-2026 | 07:21

تسعون دقيقة من الحياة: المونديال في لبنان بين اجتياح 1982 وضجيج حرب اليوم

بين حصار بيروت عام 1982 والحرب الحالية تغيّرت أشياء كثيرة في لبنان، لكن حاجة الناس إلى لحظات طبيعية وأمل عابر وسط الأزمات بقيت ثابتة لا تتغيّر.

تسعون دقيقة من الحياة: المونديال في لبنان بين اجتياح 1982 وضجيج حرب اليوم
من مباراة الأرجنتين والبرازيل في مونديال 1982. (تصوير: بيتر روبنسون)
Smaller Bigger

أنطوني نعيم

 

بين "الأخبار العاجلة" وصفارات الحكام، يجد أنفسهم اللبنانيون مرّة أخرى أمام مشهد مألوف؛ حرب تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، وكأس عالم ينتظرها الناس منذ أربع سنوات. فمنذ صيف عام 1982، حين كان الوقت يمر ببطء تحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي وصولاً إلى العاصمة بيروت، شكّل المونديال بالنسبة إلى كثيرين مساحة مختلفة وسط القلق والخوف وانشغالات الحرب.

 

الرهان على الحياة

 

يروي الأكاديمي والباحث اللبناني المقيم في باريس زياد ماجد كيف كان الموت هو السياق العام المخيّم على المدينة، حيث كانت تفاصيل الحياة اليومية، من انتظار صهاريج المياه إلى طوابير الأفران، جزءاً من يوميات اللبنانيين في ظل الاجتياح. وقبل السادس من حزيران، كان الأطفال يجمعون صور اللاعبين ويلصقونها في ألبومات "الفيفا" التي يشترونها من مكتبة "الرسالة العربية".

 

يتذكر ماجد كيف كان يتبادل الصور المكررة مع أصدقائه طلال وحسان ورغيد، وكيف توقفت مسيرة إتمام صفحات منتخباته المفضلة، البرازيل وإيطاليا وفرنسا، بعدما قصف الطيران الإسرائيلي مبنى قريباً وقتل جارتهم أسمهان وعائلتها.

 

ومع إقفال المكتبة وانقطاع الكهرباء، لم يستسلم الناس. فقد ابتكر الجيران حلولاً بديلة لتشغيل أجهزة التلفاز. قام البعض، مثل الجار وليد عيدو، بتركيب بطارية شاحنة "سيكس ويل" قادرة على تشغيل أجهزة التلفاز القديمة لساعات عدة. وكانت المهمة الأساسية التأكد من أن "كلاب البطارية" ثابتة، وأن الأسلاك سليمة، كي لا ينقطع البث في لحظة حاسمة من المباراة.

 

في تلك الأيام، لم يكن تشغيل التلفاز أمراً عادياً. كان نجاح الجيران في تأمين الكهرباء لساعات قليلة كافياً ليجتمع الناس حول مباراة وينصرفوا لبعض الوقت عن أخبار القصف والحصار.

 

حين غطت الجزائر على القصف

 

في ذلك الصيف، تراجعت الانقسامات السياسية المعتادة في الحيّ، وحلّت مكانها انقسامات من نوع آخر. هناك من يشجّع البرازيل، وآخرون يقفون مع ألمانيا أو إيطاليا.

 

لكن مباراة ألمانيا والجزائر كانت الحدث الأبرز. يتذكر ماجد كيف غطى صوت الرصاص الذي أطلق ابتهاجاً بفوز الجزائر التاريخي بهدفي رابح ماجر والأخضر بلومي على أصوات القصف الإسرائيلي الذي كان يتراجع ليلاً مع بدء المباريات.

 

حتى المقاتلون والقيادات لم يكونوا بعيدين عن أجواء البطولة. فقد ذكر القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لاحقاً أن المنتخب الإيطالي أهدى فوزه إليهم في بيروت، وهي رواية عززها لاحقاً السلوك الودّي للجنود الإيطاليين الذين وصلوا ضمن القوات المتعدّدة الجنسيات ولعبوا كرة القدم مع أطفال المخيّمات.

 

المونديال اليوم

 

اليوم، في ظل الحرب المستمرة بين إسرائيل و"حزب الله"، تعود كأس العالم لتطرح السؤال نفسه؛ كيف يعيش اللبنانيون هذا الاستحقاق فيما البلاد ترزح تحت الضغوط الأمنية والاقتصادية؟

 

في بيروت وجبل لبنان والشمال، قد تعود المقاهي إلى الاكتظاظ بالمشجعين، وتتصدر أخبار المنتخبات والنجوم أحاديث الناس. أما في المناطق الأكثر تأثراً بالحرب، فقد يكون التحدي مختلفاً، الكهرباء أو الإنترنت، أو إيجاد مكان آمن لمتابعة المباراة.

 

مع ذلك، يحاول كثيرون التمسّك بهذه المناسبة الرياضية رغم الظروف الصعبة. وخلال المباريات، تتراجع، ولو مؤقتاً، أحاديث الحرب والسياسة، لتحلّ مكانها توقعات النتائج وأخبار المنتخبات وأداء اللاعبين.

 

وفي مقابلة مع مهدي زين، صاحب أحد المقاهي في منطقة الصفير بالضاحية الجنوبية لبيروت، أوضح أنه سيضع شاشة كبيرة مع مجموعة كراسٍ بالقرب من المقهى الذي تعرّض لأضرار جزئية، حيث تحطم زجاج الواجهة ودُمّر المطبخ. وسيقدم العصائر ويُوَفّر عدداً من الأراكيل للروّاد والمشجعين الذين سيتابعون المباريات في المكان بشكل شبه مجاني. وأكد أن الهدف من هذه المبادرة هو المساهمة في إعادة إحياء أجواء كرة القدم في المنطقة، وتوجيه رسالة تُثبِت التمسك بالحياة والاستمرار رغم الأضرار.

 

الرياضة في مواجهة الحرب

 

تحتفظ كأس العالم بمكانة خاصة لدى الشعوب التي تعيش الحروب والأزمات، إذ تمنح كرة القدم الناس مساحة مؤقتة للخروج من واقعهم القاسي. ففي هذه اللعبة قواعد واضحة ومنافسة تنتهي مع صافرة الحكم؛ يفوز فريق ويخسر آخر، لكن الجميع يعود إلى حياته بعد انتهاء المباراة. وتبرز القوة السحرية للرياضة، ولا سيما كرة القدم، في قدرتها على توحيد مشاعر البشر وانفعالاتهم، من فرح وخيبة وأمل، بمعزل عن أوضاعهم السياسية والاجتماعية.

 

وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال مونديال 1982، حين كانت الجماهير اللبنانية تجتمع لمتابعة المباريات بحثاً عن لحظات من البهجة وسط الحصار الإسرائيلي والقصف والموت اليومي. ويرى الدكتور زياد ماجد أن هذه المشاهد تشكّل جزءاً من "التاريخ الموازي" للأحداث السياسية الكبرى؛ تاريخ الحياة اليومية بتفاصيلها الحميمة والبسيطة تحت وطأة الحرب، من انقطاع الكهرباء وشحّ الخبز والماء إلى قلق الآباء ولعب الأطفال في الأزقة، وهي تفاصيل تضفي بعداً إنسانياً عميقاً على سرديات الحروب.

 

وفي مقاله الذي يجمع بين السيرة الذاتية والذاكرة الجماعية، ينتقل ماجد من الكتابة السياسية إلى استعادة تجارب جيله خلال اجتياح عام 1982، مستحضراً وحشية الحرب التي عرّفت اللبنانيين للمرة الأولى إلى "الموت الآتي من السماء" عبر الطيران الحربي. ويؤكد أن الذكريات الفردية تتقاطع لتشكّل ذاكرة جماعية تساعد المجتمع على فهم الماضي والتعلّم من أخطائه والتطلع إلى المستقبل، ويمثّل المقال تحيّة لبيروت وللأجيال التي واجهت الموت بمرونة وحيوية.

 

واليوم، كما في الأمس، تبقى المباريات الكبرى فرصة نادرة للبنانيين للانشغال بشيء آخر غير الحرب، ولو لساعات قليلة. وسواء كانت متابعة المباريات تتم عبر بطارية "سيكس ويل" في عام 1982 أو عبر اشتراك "موتور" وإنترنت متقطع في الوقت الحاضر، فإن الرغبة تبقى نفسها: متابعة مباراة، وتشجيع منتخب، والعيش لبعض الوقت خارج إيقاع الحرب.

 

 وبين حصار بيروت عام 1982 والحرب الحالية تغيّرت أشياء كثيرة في لبنان، لكن حاجة الناس إلى لحظات طبيعية وأمل عابر وسط الأزمات بقيت ثابتة لا تتغير. والأمل ألا تتراجع أولوية الملف اللبناني عن الاهتمام في حمى المونديال، كما حصل ذات صيف من العام 1982 حين نسيَ العالم بيروت... 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/2/2026 9:12:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.