من مئوية الدستور الى مئوية... ضياع الودائع !!
عبد الرحمن عبد المولى الصلح
منذ تأسيس "النهار" (1933) عوّدتنا أن تكون متميزة، رصينة ورائدة. ولقد نشرت سابقاً في "النهار" مقالاً بعنوان "لا يحلو النهار... بدون النهار" (19/02/2022) وما زلت وسأظل متمسكاً برأييّ . تميّز "النهار" انسحب مؤخراً حين خصّصت عدداً لمئوية الدستور اللبناني (الجمعة 22/5/2026) إضافة الى مواضيع الساعة. فشكراً لإدارة التحرير على جهودها المميّزة. الحديث عن مئوية الدستور اللبناني حتّم حُكماً أكثر من تعليق ومقال على اتفاق الطائف (1989). وفي هذا الصدد أورد ما يلي من ملاحظات: (1) لم نكن بحاجة الى إتفاق الطائف. كان النظام السياسي اللبناني بحلته القديمة (سقى الله ذلك الزمن) يتميّز بحيوية سياسية قلّ نظيرها في الدول العربية خاصة المجاورة. الشاعرة العراقية الراحلة مريم عباس عمارة كانت تقول في آوائل سبعينيات القرن الماضي: لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي أسمع فيه رئيس جمهورية سابق! وللتذكير فالحيوية السياسية شملت في جملة ما شملت: تعدّد الاحزاب السياسية، صحف حرّة، نقابات عمالية نشطة، تحركات طلابية في مختلف الجامعات... ولعلّ أبرزها حركة الوعي والتي جمعت مناصرين وقيادات طلابية من مختلف الطوائف. وكانت تجري أيضاً انتخابات نيابية في ظل قانون انتخابي تمّ اقراره في عهد الراحل الكبير الرئيس شهاب... قانون أكثر عدالة وأقل طائفية ومذهبية مقارنةً بقانون الإنتخاب الحالي. القانون المسخ المعتمد حالياً والذي لا يليق بلبنان الواحد الموحد. وعلى سبيل المثال ففي انتخابات 1972(الشوف) كان هناك لائحتان: واحدة برئاسة كمال جنبلاط وأخرى برئاسة كميل شمعون. وللذين تخونهم الذاكرة لم يفز من لائحة شمعون إلّأ إثنان (شمعون، وقيل يومها أنّ السلطة تدخلت لتجنب فشله، وعبده عويدات عن المقعد السني. في حين فاز عن لائحة جنبلاط فؤاد الطحيني عن المقعد الماروني وسالم عبد النور عن المقعد الكاثوليكي) بإختصار كانت الحيوية السياسية كفيلة بتطوير النظام السياسي وإجراء ما يلزم من إصلاحات تبناها لاحقاً اتفاق الطائف والذي في جوهره نصّ أو حقّق المساواة بين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين (المعذرة للإشارة الى تصنيفات طائفية فأنا علماني التوجه لكنّ متطلبات المقال تحتّم الإشارة الى تلك التصنيفات). لكن سؤال المليون دولار: إذا كانت المناصفة قد تحققت عبر الطائف في حصر السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني... فلا أدري كيف أنّ المسلم في عكار، البقاع والجنوب قد تحسنت أوضاعه وقد مضى 37 عاماً على اتفاق الطائف؟! المعضلة الأساس لم ولن تكمن في النصوص بل في النفوس! يحضرني في هذا المجال الراحل الكبير الرئيس الأمير فؤاد شهاب طيّب الله ثراه وندّى تربته هو الذي نتيجة الإصلاحات الرائدة التي حرص على تطبيقها في عهده كرّست ولاء اللبنانيين لوطنهم بدليل أنّ شريحة كبيرة من اللبنانيين المسلمين نزعوا صور جمال عبد الناصر (ويا ليتَ عبد الناصر خضع للمساءلة والمحاسبة، لا بل للمحاكمة بعد هزيمة حزيران 1967 القاسية والمهينة) من على جدران منازلهم ومكاتبهم واستبدلوها بصور للرئيس شهاب!! لكنّ مع الاسف، فلقد تمّ الطعن بالتجربة الشهابية الرائدة من بيت أبيها!! كان ذلك عن طريق الحلف الثلاثي (1968) والذي جمع الأخوة الأعداء (شمعون الجميل واده). في كتاب "ذكريات لم يحن آوانها بعد" ينقل الصحافي شكري نصر الله عن العميد اده والذي كان على تواصل معه أثناء إقامة الأخير في باريس قوله: لقد أخطأنا بحق الرئيس شهاب فلو استمر نهجه لما وقعت احداث !! اعتماداً على مقولة أنّ الجوهر يكمن في النفوس وليس في النصوص، فالإنصاف يقتضي بالتذكير أيضاً براحلٍ كبير آخر: رفيق الحريري طيّب الله ثراه وندّى تربته. كثيرون يُشبهون الحريري الأب بـ "البولدوزر"... لم يُميّز الحريري بين مسلم ومسيحي على عكس ما فعله غيره. كان هاجسه رفع سُدة لبنان الى الأعالي. صحافية مميزة قالت لي أنّها كانت في منزل ميشال عون في باريس آوائل التسعينات حين عرض التلفزيون مشاهد زيارة بابا روما الراحل بولس الثاني. قالت لي أنّ عون اغتاظ كيف أنّ بابا روما يزور لبنان نتيجة جهود الحريري... المسلم!! مع الحريري أو ضدّه، أيدّته أو عارضته، ساندته أو حاربته، كان رفيق الحريري بحكم علاقاته المميزة في المنطقة وخارجها.... يشي بالثقة!!
(2) استتباعاًَ فالسؤال هو وفي ضوء ما سبق، لماذا اندلعت حربٌ أهلية لم يُسدل الستار عنها إلاّ بعد 15 عاماً؟! برأيي اندلعت نتيجة لغطرسة المقاومة الفلسطينية المسلحة وثقلها العسكري الأمر الذي أدّى حكماً الى نزعة تعزيز التسلط والنفوذ. (أكّدَ شهود عيان أنّ أهلنا وأحباءنا أهل الجنوب نثروا الأرز على الجنود الإسرائيليين بعد اقتحام الجنوب 1978 تشفياً من ممارسات الفلسطينيين). وينطبق ذلك على الجناح العسكري للجبهة اللبنانية برئاسة الشيخ بشير الجميل والذي سعى ونجح بترجمة نفوذه بإقصاء الآخرين في المنطقة الشرقية (مجزرة الصفرا نموذجاً 1980). تداعيات بوسطة عين الرمانة والتي أشعلت الحرب، كان بالإمكان تلافيها. يعمل حزب الكتائب على تسليم الفاعلين الى الجهات الأمنية القضائية المختصة وتمنع المقاومة الفلسطينية عن أخذ أيّة ردات فعل فلسطينية بإنتظار الإنتهاء من التحقيق. لكنّ التسلط الفلسطيني والشعور بالقوة حالا دون ذلك!! زاد الوضع سؤاً حين تلطّى الراحل كمال جنبلاط – وهو السياسي العريق - بالتسلح الفلسطيني لتغيير النظام. كما فعل الساسة المسلمون (الاجتماع في منزل المفتي خالد في عرمون...). تجدر الإشارة الى أنّه على عكس ما تمّ ترويجه، فلم يكن لدى المقاومة الفلسطينية رغبةً او خططاً لتهجير اللبنانيين المسيحيين من لبنان. تلك كانت حجّة الجبهة اللبنانية لحشد الصفوف والسيطرة على المناطق المسيحية. لا أريد الغوض طويلاً بتفاصيل تلك الفترة منعاً للإطالة، لكن يجدر التذكير أنّ تدخلات اقليمية خدمةً لأهدافها الخاصة (دمشق وتل أبيب) زادت الامر سوءاً وعملت على عسكرة المجموعات اللبنانية.
كان أيضاً بالإمكان تجنب اتفاق الطائف لولا سعي الساسة الموارنة الى السلطة. فبدلاً من أن يعمل الرئيس أمين الجميل لتأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولايته، سعى الى التمديد لكنّ الأسد الأب رفض. فكلف قائد الجيش ميشال عون لترؤس الحكومة. عون، كما هو معروف عرقل انتخاب رئيس للجمهورية طمعاً بالرئاسة. ولو فعل لما كان هناك اتفاق الطائف!!
حسناً، بموجب اتفاق الطائف، وكما هو معلوم أضحت السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، وتمّ تكريس المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين ، إضافة الى اختيار رئيس الحكومة بعد إجراء استشارات نيابية ملزمة، إضافة الى تأسيس مجلس الشيوخ (مادة 22) وإلغاء الطائفية السياسية عبر هيئة وطنية خاصة (مادة 95). وإذا سلّمنا جدلاَ أنّ المشكلة تكمن في النفوس لا في النصوص... بل في اداء المسؤول أيّاً كان موقفه في رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء ومجلس النواب... فالملفت أن أداء كل رؤساء الوزراء، مثيرٌ للجدل.... فأحداً منهم على سبيل المثال لم يكترث لمخاطر مواصلة الاستدانة، وعدم ضبط الإنفاق والتغاضي عن التوظيف العشوائي في القطاع العام (تمّ ادخال 30 ألف موظف الى الادارة العامة...) اقرار زيادات هائلة على رواتب موظفي القطاع العام على حساب المودعين... ناهيك أنّ أحداً منهم لم يحرص على اقرار قانون "الكابيتال كونترول" وعدم تسديد اليورو بوند من دون التفاوض مع الدائنين. كان حسان دياب يومها رئيساً للوزراء، ومقابل رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري ادراج مشروع قانون "الكابيتال كونترول" على الهيئة العامة لإقراره كان عليه أن يصر على ذلك وأن يُصدر بياناً يضع فيه النقاط على الحروف ويقدم استقالته!! لكن تمسكه بالكرسي حال دون ذلك!!
تزامنت الذكرى المئوية لإعلان الدستور والجمهورية اللبنانية مع أوقاتٍ عصيبة تشهدها بلاد الأرز. وهنا يحضر في البال موضوعان الأول هو هل ستؤول الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية على أرض لبنان الى تبني حل الدولتين؟! كلمة حل تحمل معنيين اثنين: الأول "حل" بمعنى ايجاد مخرج وصيغة ما لأزمة ما، وهذا ينطبق على القضية الفلسطينية على سبيل المثال، أمّا الثاني فكلمة "حل" تعني فرط أو انحلال لشيء قائم كأن يُقال: حل المجلس النيابي أو جمعية تأسيسية... فهل يا ترى سوف يتم حلّ الدولتين في لبنان. أعني انفصال أو فصل دويلة "حزب الله" الجناح العسكري والإيراني لإيران عن الدولة اللبنانية... عسى تستقيم الأمور؟!!
أما الموضوع الثاني فأميل الى الاعتقاد أنّه لو قُدّر للأديب الفرنسي فيكتور هوغو (1802-1885) صاحب الرواية الذائعة الصيت "البؤساء" أن ينبعث من الموت ليعيش في بلاد الأرز ويكتب الجزء الثاني من روايته، لأيقن أنّ البؤس الذي يعاني منه اللبنانيون... لا يُضاهى مقارنة بالبؤس الذي عبّر عنه في روايته!! مليون نازح من الجنوب الحبيب هجروا قراهم وحقولهم وبيوتهم، تدمير وتضرّر بشكل كلّي أو جزئي 61056 وحدة سكنية ("النهار" 2-6-2026)، أكثر من أربعة آلاف قتيل وعشرة الآف جريح إضافة الى ثمانية آلاف قتيل من عناصر "حزب الله" (بحسب نتنياهو) خسائر اقتصادية نقلاًُ عن وزير المال ياسين جابر تُقدّر لحينه بأكثر من 21 مليار دولار ("النهار" 2-6-2026)، تفشي ازدياد معدلات الفقر، تفشي الطائفية والمذهبية بين أبناء الوطن الواحد،.... والأنكى من ذلك، أنّه حتى ولو اُسدل الستار على الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في لبنان قريباً أو آجلاً... فالدولة "العميقة" ستولي مصالحها ومصالح أطرافها الأولوية المطلقة على حساب اللبنانيين وهكذا مثلاً تمّ التمديد للمقالع لعشر سنوات دون الاكتراث لإزدياد الإصابة بالسرطان بين أهلنا في شكا نتيجة التلوث المنبعث من مصانع الترابة ( وحسناً فعلت وزيرة البيئة تمارا الزين مغادرتها جلسة مجلس الوزراء... ويا ليتها قدّمت استقالتها احتجاجاً لأضيف اسمها على ثلاثة كبار قدموا سابقاً استقالتهم من الحكم: غسان تويني، اميل بيطار، وشربل نحاس). ابقاء تقرير ديوان المحاسبة والذي أدان مستنداً الى وقائع أربعة وزراء سابقين للإتصالات بتهم الفساد (تمّ سرقة 35 مليون دولار) حبراً على ورق!!! ابقاء رياض سلامه ووزير الاقتصاد السابق... أمين سلام طُلقاء حتى اشعار آخر... والأمثلة أكثر من أن تُعد وتُحصى وقد يكون ختامها استمرار "تجهيل" المسؤولين عن هدر وسرقة 88 مليار من ودائع الناس... وخوفي أنّه على نسق مئوية الدستور اللبناني أن "يحتفل!!" المودعون بمئوية ... ضياع الودائع!!!
نبض