لبنان أمام عصر الردع المسيّراتي

آراء 02-06-2026 | 04:15

لبنان أمام عصر الردع المسيّراتي

تكتسب المسيّرات بعداً أكثر خطورة، لأنها لا تحتاج إلى بنى عسكرية تقليدية معقدة، كما أنها تخفض الكلفة التقنية لإنتاج الردع، ما يفتح المجال نظرياً أمام انتقال أدوات القوة من الاحتكار المركزي إلى أنماط أكثر لامركزية داخل المجتمع السياسي نفسه.
لبنان أمام عصر الردع المسيّراتي
المسيرات ...ماذا لو أدخلت في الصراعات المحلية؟
Smaller Bigger


 

 نزيه الخياط* 


 

يشهد النظام الدولي تحولاً متسارعاً في طبيعة القوة العسكرية، إذ لم يعد التفوق مرتبطاً حصرياً بحجم الجيوش أو كثافة الترسانات التقليدية، بل بقدرة الفاعلين على توظيف التكنولوجيا منخفضة الكلفة لإنتاج أثر استراتيجي سريع وفعّال. وقد شكّلت المسيّرات، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا، التعبير الأبرز عن هذا التحول، بعدما انتقلت من أدوات استطلاع محدودة إلى أحد أهم عناصر الردع وإعادة تشكيل موازين القوة في الحروب المعاصرة.

هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري، بل يطال بنية الدولة نفسها، إذ يؤدي انتشار أدوات الردع المنخفضة الكلفة إلى إضعاف احتكار الدولة التقليدي للعنف، عبر خفض “عتبة الدخول إلى القوة”، وفتح المجال أمام فاعلين غير دولتيين لامتلاك وسائل تأثير كانت حكراً على الجيوش النظامية.

في البيئات السياسية المستقرة، قد تتمكن الدولة من احتواء هذه التحولات ضمن أطر مؤسساتية واضحة. أما في المجتمعات الطائفية التعددية الهشّة، كما في الحالة اللبنانية، فإن أي اختلال في توازن القوة العسكرية يتحول سريعاً إلى عامل ضغط طائفي ـ سياسي بنيوي داخل النظام نفسه.

لبنان وإشكالية إعادة توزيع القوة في البيئات الطائفية 

يقوم النظام اللبناني تاريخياً على توازنات دقيقة بين مكونات طائفية متعددة، وليس على احتكار صارم للقوة من جانب الدولة. لذلك، فإن وجود قوة عسكرية منظمة خارج المؤسسات الرسمية لا يبقى محصوراً في البعد الأمني أو الإقليمي، بل يتحول تدريجياً إلى عنصر مؤثر في معادلات السلطة الداخلية وإيقاع التفاوض السياسي.

ضمن هذا السياق، تكتسب المسيّرات بعداً أكثر خطورة، لأنها لا تحتاج إلى بنى عسكرية تقليدية معقدة، كما أنها تخفض الكلفة التقنية لإنتاج الردع، ما يفتح المجال نظرياً أمام انتقال أدوات القوة من الاحتكار المركزي إلى أنماط أكثر لامركزية داخل المجتمع السياسي نفسه.

ولا يعني ذلك افتراض حتمية الإنزلاق نحو سيناريوات صدامية، بل يشير إلى تحولات بنيوية قد تدفع، مع الوقت، إلى احتمالية انزلاق تدريجي وإلى إعادة طرح أسئلة حساسة حول مفهوم الردع وحدود احتكار الدولة للعنف في لبنان، في حال استمرار إشكالية السلاح خارج المؤسسات الشرعية من دون تسوية نهائية.

وفي هذا الإطار، يصبح النقاش حول السلاح في لبنان أبعد من كونه خلافاً قانونياً أو سياسياً تقليدياً، لأنه يرتبط تدريجياً بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطائفة والقوة والتكنولوجيا في آن واحد.

من احتكار القوة المسيّراتية إلى إعادة توزيعها

إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في استمرار اختلال توازن القوة، بل في التفاعل بين هذا الاختلال والتحولات العالمية في أدوات الردع منخفضة الكلفة، وفي مقدمتها المسيّرات، بما قد يدفع لبنان مستقبلاً إلى مرحلة جديدة من احتمال إنزلاق نحو "سباق تسلح مسيّراتي طائفي" عبر إعادة توزيع القوة داخل بيئات طائفية هشّة شديدة الحساسية تجاه أي تغير واختلال في موازين الردع الداخلي.

من هنا، لا تبدو إشكالية السلاح في لبنان مرتبطة فقط بمن يمتلك القوة، المدعومة إقليمياً ، بل بطبيعة التحول البنيوي الذي قد تنقله المسيّرات من مستوى احتكار القوة من قبل فاعل غير دولتي إلى مستوى إعادة توزيعها داخل المجتمع السياسي ـ الطائفي نفسه، الأمر الذي يزيد من تعقيدات المشهد اللبناني ويضع مستقبل وحدة الكيان أمام مسارين ، فإما نزع السلاح من الفاعلين غير الدولتيين بما يعيد احتكار العنف إلى الدولة، أو الدخول في متاهات "سباق تسلح طائفي" لا سيما المسيّراتي منه، بما يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الغموض على مستوى تماسك الكيان والدولة.

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/1/2026 5:45:00 AM
الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" أسهم في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار الذي اصاب مصارف لبنان، ولا يزال عصياً على الحلّ في ظل غياب رؤية حكومية واضحة.
لبنان 6/1/2026 5:21:00 AM
مسؤول أميركي لـ"أكسيوس": "الرئيس جوزف عون سعى إلى طرح هذا المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه، لكنّ رد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان مراوغاً ومخيّباً للآمال"
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".