في واشنطن ثمّة من يفتقد نتنياهو "القديم"

آراء 29-05-2026 | 14:34

في واشنطن ثمّة من يفتقد نتنياهو "القديم"

ما يظهر من انحياز أعمى وغياب للضمير على مستوى النخب الصحافية والفكرية والسياسية الغربية، لا ينبغي أن يجر النخب العربية الديموقراطية إلى التطرف أيضاً، وفقدان البوصلة، والتقهقر إلى الانغلاق...
في واشنطن ثمّة من يفتقد نتنياهو "القديم"
نتنياهو متحدثاً في مؤتمر "آيباك" في واشنطن، آذار/مارس 2018. (أ ف ب)
Smaller Bigger

 

زيا وليد *



في شارع ما، في مبنى ما، يقع في قلب الحضارة الإنسانية الحديثة، ومنارة الديموقراطية وحقوق الإنسان، وعاصمة القرار العالمي كما توصف، ثمة من يفتقد رئيس حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو "القديم"، ويخشى على إسرائيل من الجديد.



في خضم حروب زعيم الليكود المزعجة للكثير من دول العالم وشعوبه، يكتب محلل ومؤرخ أميركي في صحيفة "واشنطن بوست"، مقالاً يعرب فيه عن قلقه من إضرار نتنياهو بأمن إسرائيل خلال "محاولته إعادة تشكيل الشرق الأوسط". قلقٌ على كف نتنياهو من وجه العرب.

في المقال القلق، لا يرى الكاتب ماكس بوت أن الإضرار بسمعة إسرائيل في العالم يعود لقتل الأبرياء والأطفال والنساء، بل إلى "التغطية الإعلامية السلبية للخسائر في صفوف المدنيين في غزة"، أو مجرد (bad optics)، دون توضيح شروط التغطية الإعلامية المطلوبة لمقتل وإصابة قرابة ربع مليون إنسان، أو توضيح طريقة تناول "خسائر المدنيين" بإيجابية.



لا يرى الكاتب مساهمة وسائل الإعلام والتواصل الحديثة التي لا تقتصر على البروباغندا - كالتي يمارسها - في فضح صورة الاحتلال أمام العالم، بعنصريته وبطشه واعتدائه على الجميع، بل إن المسألة بالنسبة للكاتب تعود "جزئياً إلى تصاعد معاداة السامية".

كما لا يرى الكاتب المتحضر عملية "البيجر" التي أحدثت بضغطة زر آلاف الانفجارات في أسواق ومستشفيات ومحال وسيارات وشوارع لبنان - حيث كان حاملو الأجهزة - كعملية قتل عشوائي وإجرام لا يحتمل التأويل، بل يراها عملية "بارعة"، لكنها لم تكن كافية للقضاء على "الجماعة الإرهابية"، أي "حزب الله".

 

 

لماذا يحتجّ الكاتب على سياسة نتنياهو؟

 

لا يضيف السيد بوت شيئاً لا نعرفه عن نفاق بعض النخب الغربية التاريخي والمستدام في ما يتعلق بحقوق العرب والفلسطينيين بالحياة والكرامة والسيادة والحرية، بل وحقّهم بصون آدميتهم. لكنه يحتج أخيراً، وهنا المثير الوحيد للانتباه والاشمئزاز معاً، على محاولة حكومة نتنياهو السيطرة على الشرق الأوسط، مرة أخرى ليس لأسباب أخلاقية أو قانونية لا سمح الله، بل لأنها أضعف من هذه المهمة السامية التي قد تعود عليها بنتائج عكسية. أسباب تتعلق بعدم قدرة بضعة ملايين إخضاع مئات الملايين بقوة الترسانة العسكرية فقط.

أيضاً، لا يرى المؤرخُ المتخصص العربدةَ الإسرائيلية ومشاريع الهيمنة والسيطرة والاحتلال سياقاً متأصلاً متصلاً، له جذوره التاريخية والثقافية والسياسية الموضوعية، وشواهده الماثلة والموثقة في الزمن القريب، بل هي - أي حروب نتنياهو في كل الجبهات - محاولةٌ انتقامية جاءت رداً على عملية "7 أكتوبر" التي هي بمثابة "النسخة الإسرائيلية من 11 سبتمبر" كما يصفها، مستنسخاً الخطاب الإسرائيلي الدعائي، لا مُبدعاً. يقول بوت التالي: "أفتقد نتنياهو القديم، الذي كان يُدرك حدود إسرائيل. فأمةٌ يبلغ تعداد سكانها نحو عشرة ملايين نسمة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع الهيمنة على منطقة يزيد تعداد سكانها عن خمسمئة مليون نسمة. إن محاولة تحقيق هذا الهدف الوهمي لن تؤدي إلا إلى إضعاف قوة إسرائيل وأمنها".



حسنًا، يفتقد الكاتبُ "نتنياهو القديم" دون توضيح، إذا ما كان يقصد ذلك المسؤول الإسرائيلي المثابر الذي أُنهك تعباً وهو يحرّض الإدارات الأميركية على ضرب العراق ومعاقبته واحتلاله قبل قرابة ثلاثة عقود من عملية "7 أكتوبر" التي جاءت بنتنياهو الجديد كما يزعم. أو ذلك النتنياهو القديم الذي هاج وماج غضباً من محاولات التفاهم الأميركي مع إيران حول برنامجها النووي، وحرّض علناً لشن هجوم عسكري وحصار اقتصادي وبحري يخنق إيران قبل 13 عاماً من "7 أكتوبر"، أو نتنياهو الذي يقصف في سوريا ويحتل أراضيَ منها بوجود بشار الأسد ومن دونه، أو الذي يعتدي على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويوسع الاستيطان ويطرد السكان الأصليين، أو الذي يستفز مئات ملايين المسلمين باقتحامات المسجد الأقصى وانتهاكات القدس.

 

 

أيّ نتنياهو هو المقصود؟



من جانبنا، سكان هذه المنطقة المبتلية، لا نعرف أي نتنياهو القديم هو المقصود، لكن الكاتب يوضّح ملامحه بشكل صريح وقبيح: هو نتنياهو "داعية الحرب" نعم، الذي "قوّض اتفاقيات أوسلو، لكنه لم يتخلَّ عنها"، نعم، والذي "شنّ حروباً، كانت حروباً قصيرة، تهدف إلى تهيئة الظروف لا إلى القضاء على كل شيء". هكذا، "وكان إنجازه الأبرز هو اتفاقيات أبراهام لعام 2020"، يقول بوت.



ما يزعج الكاتب حقاً هو التعاطف الأميركي مع الفلسطينيين. وهي "مشكلة كبيرة وطويلة الأمد في إسرائيل، إذ يتراجع تأييدها في الولايات المتحدة بشكل حاد"، كما يصف، وخصوصاً أن "تقارير مؤسسة غالوب تشير إلى أن الأميركيين، ولأول مرة، يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل. كما يُظهر مركز بيو للأبحاث أن 60% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ42% في عام 2022". 



ربما له الحق. لكن ما يزعج السيد المؤرخ ينبغي أن يفرحنا، ويقربنا من أقراننا في بلدان العالم ومن ضمنهم الولايات المتحدة. ما يظهر من انحياز أعمى وغياب للضمير واستهزاء بمآسي العرب ودمائهم لدى بوت وأمثاله على مستوى النخب الصحافية والفكرية والسياسية، لا ينبغي أن يجر النخب العربية الديموقراطية إلى التطرف أيضاً، وفقدان البوصلة، والتقهقر إلى الانغلاق والتعصب والغرق في شعارات معادية للآخر المختلف، والتخلي عمّا يجمعها حضارياً بشعوب الغرب ونخبه الديموقراطية التي لا تفتقد نتنياهو.



* كاتب وصحافي عراقي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.
موضة وجمال 5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.