المسيح بلا مأوى: أين ينام الله في زمن الحرب؟

آراء 27-05-2026 | 14:10

المسيح بلا مأوى: أين ينام الله في زمن الحرب؟

تأملات في تهجير إخوتنا وقتلهم في الجنوب اللبناني
المسيح بلا مأوى: أين ينام الله في زمن الحرب؟
خيم النازحين (النهار)
Smaller Bigger

الأب الدكتور سميح رعد

 

في مشهد قتل إخوتنا في الوطن والإنسانيّة وتهجيرهم، لا يستطيع المسيحيّ إلّا أن يرى في وجوههم وجه المسيح المصلوب من جديد، لا بوصف الصّليب حدثا ماضيا انغلق في الزّمن، بل باعتباره جرحاً مفتوحاً في جسد التّاريخ الإنسانيّ. فكلّ إنسانٍ مسحوقٍ تحت وطأة العنف، وكلّ طفلٍ يرتجف تحت الخيام، وكلّ أمّ تبحث بين الرّكام عن أثر حياةٍ، إنّما يكشف استمرار آلام المسيح في العالم. وهنا لا يعود الصّليب مجرّد رمزٍ تعبّديّ، بل يتحوّل إلى حقيقةٍ وجوديّة تتجلّى في هشاشة الإنسان المهدَّد بالمحو والفناء. وكما حمل المسيح في جسده جراح العالم وآلامه، كذلك تحمل أجساد المتألّمين اليوم ذاكرة المعاناة الإنسانيّة بأسرها، بحيث يغدو التّاريخ نفسه حيّزا لاستمرار الألم وتجدد المأساة، لا فضاءً لانطفائها أو اكتمال خلاصها.
في جراح المتألّمين يطلّ سرّ المسيح المتألّم، لا بوصفه جواباً نظريّاً جاهزاً عن معضلة الشّرّ، بل كتجلٍّ للدخول الإلهيّ في عمق المأساة الإنسانيّة ذاتها.

 

فالله، في الوعي المسيحيّ، لم يشأ أن يفسّر الألم من علٍ بمنطق القدرة المجرّدة، بل أن يسكنه من الدّاخل، وأن يختبر هشاشة الإنسان في أقصى حدودها. ومن هنا، فإنّ صمت الله أمام الكارثة لا يُقرأ بوصفه لامبالاةً منه أو غياباً له، بل كصمت الصّليب نفسه؛ ذلك الصّمت المثقل بالترك والانكسار والرّجاء معاً. إنّه صمتٌ لا يرفع الألم من العالم، ولا يمحو قسوته، وإنّما يمنحه أفقاً يتجاوز عبثيّته، لأنّ الله نفسه قَبِل أن يدخل في خبرة الألم البشريّ حتى نهايتها القصوى، وصولاً إلى إخلاء الذّات وموت الصّليب.

 

في تشريد النّاس وقلق المنافي، تتردّد مجدداً صورة المسيح الهارب إلى مصر، ذاك الطّفل الإلهيّ الّذي عرف منذ بداياته معنى الارتحال والخوف وفقدان الأمان. فالمسيحيّة لا تعبد إلهاً غريباً عن المنفى، بل إلهاً اختبر الغربة والهروب في جسده وتاريخه. لذلك، يصبح كلّ مشرّدٍ أيقونةً حيّةً للعائلة المقدّسة الهاربة، ويغدو سؤال اللّاجئين والجائعين والباحثين عن مأوًى سؤالا لاهوتيّا بامتيازٍ، لأنّه يمسّ صورة الله المنكسرة في الإنسان.

 

وأمام مشاهد القتل بوحشيّتها العارية وأساليبها الهمجيّة، لا يستحضرني إلّا نشيد الكنيسة في الأسبوع العظيم: "أعطني هذا الغريب…". ذاك النّشيد الّذي يتوسّل فيه يوسف الرّامي جسد السيّد، لا بوصفه جسداً منتصراً، تحيط به بل أمجاد القيامة، بل باعتباره جسداً متروكاً، منزوع الكرامة ومسَلَّماً إلى قدرة الموت. وكأنّ الكنيسة، منذ قرونها الأولى، أدركت أنّ الله يعطى أحياناً في هيئة "الغريب" و"المهجور" و"المصلوب" و"المجروح" و"المائت" و"المشرّد". فالمسيح لا يظهر دائماً في بهاء المجد، بل كثيراً ما يتجلّى في عراء الإنسان الملقى على هامش الهامش في هذا العالم.

 

تتكثّف على الإنسان الأسئلة الوجوديّة تحت ثقل هذا الجزء من التّاريخ والجراح الإنسانيّة الّتي نعيشها ونشاهدها في بعضنا، وتبدو مسألة "صمت الله" واحدةً من أكثر القضايا حساسيّةً وإلحاحاً: أين أنت يا الله أمام "المسيح مصلوباً من جديد" والقرى والبلدات والمدن بتاريخها وذكرايتها تمحى من الوجود؟

 

غير أنّ هذا الصّمت لا يمكن اختزاله في ثنائيّةٍ سطحيّةٍ تقابل بين حضورٍ وغيابٍ، وكأنّ الأمر يتعلّق إمّا بإلهٍ متكلّمٍ وإمّا بإلهٍ غائبٍ. مثل هذا التّقسيم، رغم وضوحه الأوّليّ، يبقى أسير رؤيةٍ تبسيطيّةٍ للعالم، تفترض أنّ المعنى إمّا متحقّقٌ بالكامل وإما مفقودٌ كلّياً، بينما الخبرة الإنسانيّة تكشف عن طبقاتٍ أعمق وأكثر التباساً.

 

إنّ ما يسمّى "صمت الله" لا يبدو، عند التّأمّل، علامة فراغٍ أو انقطاعٍ، بل يمكن فهمه ككثافةٍ مفرطةٍ في المعنى نفسه، كثافةٍ تفوق قدرة الوعي البشريّ على التّلقّي والتّأويل والفهم. فالمسألة لا تتعلّق بغياب الدّلالة، بل بفيضٍ من الدّلالة لا يجد شكله داخل القوالب المفهوميّة المعتادة. وهكذا، فإنّ ما يظهر كصمتٍ قد يكون في العمق نمطاً آخر من الحضور، انكشافاً لا يخضع لمنطق اللّغة اليوميّة ولا لانتظارات التّدخّل المباشر في مسار الأحداث.

 

بهذا المعنى، لا يعود الصّمت الإلهيّ نقصاً في التّواصل، بل شكلاً من أشكال الإفراط في المعنى، حيث يتعالى على الواقع حدود التّمثّل ويقاوم كلّ محاولةٍ للإحاطة النّهائيّة به. إنّه حضورٌ لا يقاس بمعايير الفعل المباشر، بل يدرك بوصفه فائضا يربك قدرة الفكر على التّملّك والتّحديد.

 

غير أنّ هذا التّحوّل المفهوميّ لا ينبغي أن يفهم كنوعٍ من تّخفيف ثقل السّؤال الأخلاقيّ الّذي تفرضه المعاناة الإنسانيّة أمام أعيننا. فالنزف الإنساني لا يتوقّف عن كونه واقعا مادّيّا وروحيّا يضع الفكر أمام مسؤوليّةٍ لا يمكن تجاوزها. من هنا، فإنّ التّفكير في الصّمت لا يعني تبرير الواقع أو إضفاء طابعٍ ضروريٍّ عليه، بل يعني الاعتراف بأنّ الواقع نفسه يتخطى باستمرارٍ قدرة أيّ تفسيرٍ مكتملٍ على احتوائه داخل نظامٍ مغلقٍ من المعنى.

 

إنّنا أمام انتقالٍ دقيقٍ في طبيعة السّؤال: من البحث عن حضورٍ يمكن إثباته أو غيابٍ يمكن نفيه، إلى مساءلة حدود الفكر نفسه أمام فائض الواقع الّذي نراه في موت أحبّتنا وجراح البعض المثخنة بالوجع وتشريد النّاس تحت الخيام وصعوبة إيجاد خبزٍ وماءٍ وطبابةٍ. فالعالم لا يختزل في ما يمكن قوله عنه، بل ينفتح دائماً على ما يفوق القول، وعلى ما يُبْقِي المعنى في حالة حركةٍ دائمةٍ.

 

في هذا الأفق، في قلب ضجيج الكلام وصخبه، يصبح الصّمت ثقلًا وجوديّاً، وانسحاقاً داخليّاً، ومسحاً بطيئاً ليقينيّات الإنسان المتسرّعة. غير أنّ الرّجاء المسيحيّ لا يسمح له بأن يتحوّل إلى فراغٍ عدميٍّ. فغياب الكلام، في ضوء القيامة، لا يعود علامة انسحابٍ إلهيٍّ من التّاريخ، بل يتحوّل إلى دعوةٍ قاسيةٍ وعميقةٍ معاً: دعوة إلى التّواضع أمام سرّ الألم، وسرّ الموت، وإلى الإصغاء لما يتجاوز اللّغة والتّفسير. وهكذا، يبقى الإنسان مدعوّاً إلى أن يعيش داخل هذا التّوتّر الرّوحيّ، حيث لا يلغى السّؤال، لكنّه يُحْمَل في رجاءٍ يتخطّى حدود الفهم دون أن يبطلها.

 

وفي الختام، لعلّ السؤال الحقيقيّ لا يكون: "المسيح بلا مأوى: أين ينام الله في زمن الحرب؟"، بل: "كيف يمكن الإنسان ألّا يفقد إنسانيّته وسط هذا الخراب؟"

 

فالمسيح بلا مأوى لا يظهر هنا كصورةٍ دينيّةٍ مجرّدة، بل كحقيقةٍ روحيّةٍ تكشف أنّ الله اختار أن يسكن في انكسار العالم لا أن يهرب منها. ومن هنا، فإنّ الرجاء المسيحيّ لا يُلغي مأساة الألم، ولا يقدّم تفسيراً سهلاً للصمت الإلهيّ، بل يفتح داخل العتمة إمكان معنى لا يزال يقاوم الانهيار. إنّه رجاءٌ يولد من قلب الجراح، ويذكّر بأنّ الحقيقة أوسع من قدرتنا على الإحاطة بها، وأنّ الله قد يكون حاضراً، لا في انتصار القوّة، بل في صبر المتألّمين، وفي كرامة الضعفاء والمسلوبي الإرادة والمسلوبي القرار، وفي الإنسان الذي لا يزال، رغم كلّ شيء، قادراً على الحبّ وعدم الاستسلام للكراهية.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/26/2026 10:38:00 AM
إجراءات أميركية من ضمن لائحة تُشكّل بداية لمرحلة قاسية أُبلغت بها جهات لبنانية، تفتح مساراً جديداً من الضغوط لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد "حزب الله"
سياسة 5/26/2026 12:00:00 AM
لعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران
فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


فن ومشاهير 5/24/2026 1:31:00 PM
نشر المستشار تركي آل الشيخ مقطع فيديو ظهر فيه النجمان وهما يضحكان ويوجّهان التحية إلى الكاميرا.