كيف يسأل "حزب الله" عن دولة حاربها لعقود؟

آراء 25-05-2026 | 19:24

كيف يسأل "حزب الله" عن دولة حاربها لعقود؟

المشكلة ليست في السلاح وحسب، بل أيضاً في الذهنية السياسية التي تعتبر أنّ من حقّها احتكار الحقيقة والقرار والحرب والسلم، ثم مطالبة الآخرين لاحقاً بتحمّل نتائج الكوارث والانهيارات.

كيف يسأل "حزب الله" عن دولة حاربها لعقود؟
دمار كبير جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية جنوبي لبنان في 23 مايو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ثمّة مفارقة لا يمكن فهمها أو تقبّلها: كيف يمكن لمن ساهم في إنهاك الدولة وتدمير مؤسساتها وإدخال البلاد في حروب وانهيارات متتالية، أن يتحوّل فجأة إلى منظّر في شؤون الدولة والسيادة والإصلاح؟ وكيف يمكن لمن أمضى عقوداً في تخوين الدولة وتحريض بيئته ضدّها تحت عناوين "المظلومية"، واعتبارها "ضعيفة" أو "مرتهنة"، أن يخرج اليوم بخطاب يسأل فيه عن دور الدولة ويهاجمها، وكأنّه كان خارج كل الشوائب التي حلّت بلبنان طوال السنوات الماضية؟

 

المشكلة الأساسية في خطاب "حزب الله" أنّه لا يزال يتعامل مع اللبنانيين وكأنّهم بلا ذاكرة. يتحدّث عن "الدولة الضعيفة"، فيما يعرف الجميع أنّ الدولة لم تولد ضعيفة بهذا الشكل، بل أُضعفت تدريجاً بفعل التنظيمات المسلّحة غير الشرعية، الفلسطينية وغيرها، وبفعل الاحتلال السوري الذي تعامل مع لبنان كساحة رسائل تفاوضية مع إسرائيل والغرب والدول العربية.

 

ماذا فعلت الحروب المفتوحة، وسلاح "حزب الله"، وتعطيل المؤسسات، وفرض موازين قوى بالقوة، وربط لبنان بمحاور إقليمية لا علاقة للبنان بها، سوى أنّها أنهكت الدولة وضربت هيبة مؤسساتها؟

 

يتحدّث الشيخ نعيم قاسم عن "الثقة بين اللبنانيين"، فكيف يمكن للبنانيين أن يثقوا بمن أدخلهم في مغامرات عسكرية متكرّرة دفعت أثمانها القرى والمدن والناس والاقتصاد؟ وكيف يمكن بناء "تفاهم وطني" مع فريق لم يتردّد مراراً في تقديم مصلحة إيران الاستراتيجية على مصلحة لبنان، وفي ربط مصير اللبنانيين بحسابات الحرس الثوري ومفاوضات طهران الإقليمية والدولية؟

 

المعضلة ليست في الخيارات السياسية أو العسكرية وحسب، بل في طبيعة الخطاب نفسه. خطاب قائم على الإنكار الكامل للمسؤولية، وعلى محاولة قلب الوقائع وتحويل الضحية إلى متّهم. فمن حارب الدولة لعقود، يتّهم الآخرين بإضعافها، ومن مارس التفرّد بقرار الحرب والسلم، يتحدّث عن "الشراكة الوطنية"، ومن قاد حملات التنكيل والتخوين والاغتيال ضد معارضيه، يقدّم نفسه اليوم كحريص على الوحدة الداخلية.

 

لماذا لا ينسحب؟

 

الأخطر أنّ الشيخ نعيم قاسم تحدّث بالأمس عن الانهيار المالي وكأنّه حدث في كوكب آخر. أليس الانهيار الكبير قد وقع في ظل حكومة حسان دياب، الحكومة التي كانت يومها حكومة "حزب الله" السياسية بامتياز؟ أليست تلك المرحلة من أكثر المراحل التي شهدت عزلة عربية ودولية للبنان؟ ألم يكن منطق السيطرة والاقتصاد الموازي وفرض الخيارات الأحادية ودخول الصراعات الإقليمية أحد الأسباب الأساسية لفقدان الثقة بلبنان ونظامه المالي والاقتصادي؟

 

اليوم، وبعد كل ما فعله، يعود "التنظيم المحظور" إلى التصعيد السياسي ورفع سقف الخطاب ضد الحكومة والدولة، ويهدّد بإسقاطها في الشارع، فيما يشارك وزراؤه في الحكومة نفسها التي يهاجمها. وإذا كان يعتبر فعلاً أنّ الحكومة "خائنة" أو "فاشلة" أو "خاضعة"، فلماذا لا ينسحب منها فوراً؟ لماذا البقاء داخل السلطة إذا كانت، بحسب روايته، تعمل ضد مصلحة اللبنانيين؟ أم أن المطلوب هو البقاء داخل الدولة للاستفادة من مؤسساتها وإمكاناتها، مع الاستمرار في مهاجمتها وتحميلها مسؤولية الفشل؟

 

هذا ما يحتاجه اللبنانيون

 

لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات التعبوية، ولا إلى إعادة إنتاج سرديات المظلومية السياسية التي استُخدمت لعقود لتبرير السلاح والحروب والانقسامات. ما يحتاجه اللبنانيون اليوم هو مصارحة حقيقية... كيف ستتعامل الدولة مع تنظيم "حزب الله" على أرض الواقع؟ وهل ستعتقل مثلاً كل من يهدّدها ويشتمها علناً ويتحدّى قراراتها؟ وكيف ستنتقل الدولة إلى مراحل متقدّمة في التعامل مع هذا التنظيم المحظور، الذي يريد أن يملي علينا كيف نعيش، وكيف نفكّر، وماذا نقول، فيما هو يريد أن يعيش "نكبة" جديدة على حسابنا ورغماً عن إرادتنا؟

 

المشكلة ليست في السلاح وحسب، بل أيضاً في الذهنية السياسية التي تعتبر أنّ من حقّها احتكار الحقيقة والقرار والحرب والسلم، ثم مطالبة الآخرين لاحقاً بتحمّل نتائج الكوارث والانهيارات. والمشكلة الأخرى تكمن في الدولة نفسها، التي يهدّدها "حزب الله" علناً، فيما هي لا تحرّك ساكناً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.