في مسرح القوى… لا مقاعد لنا

آراء 24-05-2026 | 07:35

في مسرح القوى… لا مقاعد لنا

المؤكد أن التنين لا ينام، والدب لا يعتذر، ورعاة البقر يدركون أن العالم لم يعد يُدار بالصافرات التي تقود القطيع وحدها… بل بابتساماتٍ مؤجّلة، تُخفي خلفها خرائط جديدة للعالم.

في مسرح القوى… لا مقاعد لنا
الرئيسان الصيني والروسي في بكين (أ ف ب)
Smaller Bigger

العالم الأول يرقص… نعم يرقص، لكن ليس على أنغام الموسيقى، بل على إيقاع الجراح المفتوحة في عالمٍ يتكدّس بالألم، فيما تتوزع الأدوار بعناية فوق خشبة مسرح المفاجآت الكبرى؛ حيث لا أحد يدخل المشهد مصادفة، ولا أحد يغادره بريئاً تماماً.

 

في بكين، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بدا العالم كأنه يبدّل أقنعته بسرعة لاعب سيرك محترف. دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بهو الاجتماعات الصيني الضخم، ولكن هذه المرة بشيء من الهدوء غير المعتاد؛ لا تلك الحركات المسرحية التي يحبّها الإعلام، ولا لغة الجسد الصاخبة التي طالما رافقته في قمم العالم.

 

الكلمات توزن... وتُحسب

 

كأن الرجل أدرك سريعاً أن الدعابة الأميركية لا تجد جمهوراً واسعاً تحت سقف قاعة الشعب الكبرى، حيث تُوزن الكلمات بميزان الذهب، وتُحسب الابتسامات كما تُحسب الاستثمارات البعيدة المدى.

الصيني هنا يبدو أكثر جدية مما تسمح به نكات البرامج الساخرة في واشنطن. فبناة السور العظيم لا يملكون رفاهية الضحك الطويل؛ إنهم يطاردون الزمن نفسه، يركضون خلف التكنولوجيا كما لو أن المستقبل قطارٌ سريع لا يمنح المتأخرين فرصة ثانية.

 

وربما لأنهم يعرفون أن من يملك الرقائق الإلكترونية اليوم، يملك أعصاب العالم غداً، ولأن المسرح الدولي لا يحتمل فراغاً، بالكاد غادر ترامب حتى كانت بكين تعيد ترتيب البهو ذاته لاستقبال الضيف الروسي. يدخل فلاديمير بوتين من الباب الذي خرجت منه واشنطن قبل أيام قليلة، وكأن الصين قررت أن تدير حركة المرور الجيوسياسية بنفسها:

 

"تفضلوا… العالم يتّسع للجميع، لكن بشروطي".

الصين هنا لا تبدو مجرد ضلعٍ في مثلث القوى الكبرى، بل الضلع الأكثر ثباتاً في هندسةٍ يتغيّر شكلها كل صباح.

 

أميركا تقلق من التنين، وروسيا تحتاج إلى ظلّه، وأوروبا تراقب المشهد كمن أضاع نظارته في زحمة التاريخ، يحاول فهم العالم بينما العالم نفسه يعيد كتابة قواعده.

لقاء الرئيس بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ لم يكن مجرد مصافحة بروتوكولية بين جارين كبيرين؛ بل رسالة طويلة مكتوبة بحبر المصالح الثقيلة.

 

علاقة تاريخية

 

بوتين تحدّث عن علاقات بلغت "مستوى غير مسبوق"، وعن معاهدة حسن الجوار باعتبارها أساساً لتعاونٍ يتجاوز الاقتصاد إلى ما هو أبعد من خرائط الطاقة وصفقات السلاح.

 

وفي السياسة، حين يصف زعيمٌ علاقةً بأنها "تاريخية"، فاعلم أن شيئاً كبيراً يتحرك خلف الستار.
ثم جاء البيان المشترك بين موسكو وبكين، لا كتصريحٍ عابر، بل كرسالة مشفّرة إلى العالم، وإن بدت شفرتها هذه المرة سهلة القراءة.

 

حديث عن "الأعمال العسكرية العدوانية"، ورفض "الضربات الغادرة ضد الدول"، وانتقاد "استخدام المفاوضات غطاءً للتحضير للهجمات"، ورفض "اغتيال قادة الدول" أو "تغيير الأنظمة بالقوة".

 

لغة ديبلوماسية؟ نعم. لكنها من ذلك النوع الذي يشبه الضربات تحت الحزام… فقط بربطة عنق أنيقة وابتسامة محسوبة.

كأن موسكو وبكين تقولان للغرب:

"لسنا ضدكم… لكننا أيضاً لا نقرأ الرواية ذاتها التي تكتبونها للعالم".

 

في السياسة، لا أحد يتحدث صدفة. وحين تتكرر مفردات السيادة، وعدم التدخل، واحترام القانون الدولي، فهذا يعني غالباً أن هناك من يشعر بأن النظام العالمي القديم بدأ يتصرّف كشيخٍ متعب، ما زال يصرّ على إدارة الحفلة بينما الموسيقى تغيّرت، والراقصون أنفسهم لم يعودوا كما كانوا.

السؤال الذي يطلّ الآن من خلف الضباب: هل نحن أمام تحالف روسي-صيني أكثر صلابة في مواجهة حروب المضائق والممرات البحرية؟ هل يعود غبار الحرب ليلتصق بالمحيطات، وتتحول السفن التجارية إلى رسائل تهديد عائمة؟

 

ربما!!

 

لكن الثابت حتى اللحظة أن بكين لا تتصرّف كدولة تبحث عن مقعدٍ على الطاولة الدولية، بل كمن يصنع الطاولة نفسها… ثم يترك الآخرين يتجادلون على أماكن الجلوس.

أما عالمنا الصغير… عالم الحروب المؤجّلة، والفواتير الثقيلة، والأحلام التي تُستهلك أسرع من أعمار أصحابها، فلا يزال يجلس في الصفوف الخلفية. يقبع في صالة الدرجة الثالثة.

 

يدفع فاتورة الصراع، دون أن يُدعى إلى المفاوضات، كمتفرجٍ اشترى التذكرة مُكرهاً، ثم اكتشف متأخراً أن المسرحية تُعرض فوق أنقاض أحلامه.

وفي النهاية، لا أحد يعرف إن كان القرن الحادي والعشرون سيُكتب بالحبر الأميركي، أم بالختم الصيني، أم بتوقيع روسي ثقيل.

 

لكن المؤكد أن التنين لا ينام، والدب لا يعتذر، ورعاة البقر يدركون أن العالم لم يعد يُدار بالصافرات التي تقود القطيع وحدها… بل بابتساماتٍ مؤجّلة، تُخفي خلفها خرائط جديدة للعالم.

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر 5/23/2026 10:14:00 AM

هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .

لبنان 5/24/2026 7:21:00 AM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"