العودة ليست قريبة… الجنوب ينتظر ما لا يأتي
حسين سعيد
تترقب شعوب الشرق الأوسط، ومعها العالم بأسره، مآلات المفاوضات الأميركية- الإيرانية لما لها من انعكاسات مباشرة على ملفات تمس الأمن العالمي، والطاقة، والاستقرار الإقليمي، وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر. وفي كل جولة تفاوض جديدة، يرتفع منسوب التفاؤل في المنطقة، خصوصاً في لبنان، حيث يعلّق كثيرون آمالًا كبيرة على إمكان أن تُفضي أي تسوية بين واشنطن وطهران إلى وقف النار وعودة سريعة للنازحين الجنوبيين إلى قراهم وأرزاقهم.
المفاوضات الأميركية - الإيرانية
إلا أن الغوص في عمق المشهد السياسي، واستحضار مسار العلاقة بين الطرفين منذ اتفاق عام 2015، مروراً بسنوات العقوبات والتصعيد والاغتيالات والحروب، وصولًا إلى الحرب الحالية، يقود إلى استنتاجٍ مختلف تماماً: الهوة بين أميركا وإيران لاتزال عميقة، وأي اتفاق شامل بينهما يبدو أبعد بكثير مما يُروَّج له إعلامياً وسياسياً.
فإيران، التي خاضت تجربة تفاوض طويلة مع إدارة باراك أوباما والدول الخمس زائد واحد، لا تبدو مستعدة اليوم لتقديم تنازلات تتجاوز ما قدمته سابقاً. وهي تدرك أن أي تراجع جوهري في الملفات الحساسة سيُفسَّر داخلياً ضعضعةً لبنية النظام نفسه، خصوصاً بعد سنوات من العقوبات والحروب والاستنزاف. لذلك، تعتمد طهران سياسة النفس الطويل، والمفاوضة البطيئة، ومحاولة كسب الوقت بانتظار تبدلاتٍ إقليمية ودولية قد تمنحها شروطاً أفضل.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فلا يستطيع بدوره العودة إلى صيغةٍ شبيهة باتفاق أوباما، لأن ذلك سيضعه أمام اتهامات داخلية بأنه عاد عملياً إلى الاتفاق نفسه الذي هاجمه لسنوات. ومن هنا، فإن المفاوضات الحالية لا تدور حول الملف النووي الإيراني فحسب، بل أيضاً حول صورة القوة والهيبة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
الملف النووي في ذاته لايزال مليئاً بالعقد: نسبة تخصيب اليورانيوم، طبيعة استخداماته، آليات الرقابة والتفتيش، والأهم مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة، والذي تنظر إليه إيران بوصفه جزءاً من أمنها الاستراتيجي والسيادي. وإلى جانب ذلك، يبرز ملف حلفاء إيران في المنطقة بوصفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، إذ لا تبدو واشنطن في وارد القبول بتسوية تُبقي إسرائيل في حالة قلق دائم، فيما ترفض طهران التخلي عن عناصر قوتها الإقليمية في ظل انعدام الثقة بالسياسات الأميركية.
ورغم الضربات القاسية التي تلقتها إيران، سواء على مستوى منشآتها الحيوية أو اقتصادها المنهك وعملتها المتراجعة وحصار صادراتها النفطية، إلا أنها لاتزال تمتلك ورقة استراتيجية شديدة الحساسية تتمثل بمضيق هرمز، القادر على تهديد أمن الطاقة العالمي وخطوط الملاحة الدولية. ولذلك، فإن أقصى ما قد تصل إليه المفاوضات بين الطرفين لا يبدو اتفاقاً تاريخياً ينهي الصراع، بل تفاهمات محدودة تضبط إيقاع الاشتباك وتحمي المصالح الحيوية للطرفين في الخليج ومضيق هرمز من دون معالجة فعلية لجذور النزاع الكبرى.
حسابات إسرائيل
في المقابل، تبدو الحسابات الإسرائيلية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الداخلية. فبنيامين نتنياهو لا يتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها مجرد مواجهة أمنية فحسب، بل فرصة سياسية واستراتيجية لإعادة ترميم الردع الإسرائيلي، وتوسيع هامش نفوذه الداخلي، ومنع تكريس أي صورة انتصار لحلفاء إيران في المنطقة. لذلك، لا يبدو في وارد تقديم تنازلات حقيقية، سواء في غزة أو لبنان، قبل أن يحقق مكاسب سياسية وأمنية واضحة.
ومن هنا، فإن أي جولة تفاوض مقبلة بين لبنان وإسرائيل، حتى ولو جاءت بضغط أميركي مباشر، لن تتجاوز على الأرجح إطار محاولة فرض وقائع أمنية جديدة على لبنان، وفي مقدمها ملف سلاح "حزب الله". أما الحديث عن انسحاب إسرائيلي كامل أو تسوية نهائية تفتح الباب أمام عودة مستقرة وآمنة للجنوبيين، فيبدو سابقاً لأوانه بكثير.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن حزب الله نفسه يواجه اليوم واحدة من أصعب مراحله منذ نشأته. فالضربات المتلاحقة، واستنزاف البنية العسكرية والمالية، وحجم الخسائر البشرية، والضغط الهائل على بيئته الحاضنة، كلها عوامل دفعت الحزب إلى موقع دفاعي غير مسبوق. كما أن التعويل على المسيّرات الانقضاضية بوصفها عنصراً قادراً على تغيير موازين المعركة بدا مبالغاً فيه، إذ لم تنجح حتى الآن في إحداث تحول استراتيجي حقيقي.
وكذلك فإن التعويل على قدرة الحزب على إعادة ترميم قوته العسكرية والمالية والتنظيمية واستعادة ما كان عليه قبل الحرب، يبدو غاية في الصعوبة في ظل التحولات الإقليمية وتضييق هامش الخيارات أمامه.
انهاك في بيئة "حزب الله"؟
أما داخلياً، فإن حالة الإنهاك داخل البيئة الجنوبية باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى. فالتعويل على الحزب تراجع إلى حدٍ بعيد تحت وطأة التعب والإرهاق والخوف من القادم، فيما تبدو فكرة العودة إلى ما قبل الحرب، أو إعادة إنتاج الظروف نفسها، أقرب إلى الاستحالة في المدى المنظور.
لكل ذلك، يبدو الرهان الشعبي في لبنان، وخصوصاً في الجنوب، على أن جولة تفاوض أميركية- إيرانية قريبة ستقود سريعاً إلى إنهاء الحرب وعودة الأهالي إلى قراهم، أقرب إلى التمني منه إلى القراءة الواقعية للمشهد. فلبنان لا يقف على أبواب تسوية شاملة، بل ربما أمام هدنة هشة وموقتة، مع احتفاظ إسرائيل بحرية التعقب والاستهداف والتدخل الأمني والعسكري متى شاءت.
وبين عناد طهران، وحسابات ترامب الداخلية، وتشدد نتنياهو، واستنزاف "حزب الله"، يبقى الجنوب اللبناني معلقاً على انتظار طويل، فيما تتآكل القرى والأرزاق والقدرة على الصمود يوماً بعد يوم. أما العودة التي يحلم بها الجنوبيون، فلا تبدو قريبة بعد، مهما ارتفع منسوب التفاؤل مع كل جولة تفاوض جديدة.

الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض