"الصفقة الكبرى" مع "الشيطان الأكبر" (2 من 2)

آراء 09-05-2026 | 09:41

"الصفقة الكبرى" مع "الشيطان الأكبر" (2 من 2)

التخلي عن دعم المقاومة والقبول بحل الدولتين.

"الصفقة الكبرى" مع "الشيطان الأكبر" (2 من 2)
لوحة مناهضة لأميركا تشير إلى دونالد ترامب ومضيق هرمز في ساحة ولي عصر، طهران (أ ف ب)
Smaller Bigger

جواد الساعدي*

تنقسم "خريطة الطريق" التي اقترحها الإيرانيون ثلاثة عناوين رئيسية: "الأهداف الأميركية، الأهداف الإيرانية، والخطوات"، أو الإجراءات التي يجب اتباعها للتوصل إلى اتفاق نهائي يحقق أهداف الطرفين.

أهداف الولايات المتحدة:
توافق إيران أن تضع الولايات المتحدة على جدول الأعمال الأهداف التالية:

أسلحة الدمار الشامل: الشفافية الكاملة لضمان عدم وجود أيّ مساعٍ إيرانية لتطوير أو امتلاك أسلحة دمار شامل، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية استنادًا إلى تبني إيران لجميع الصكوك ذات الصلة (اتفاقية 93+2 وجميع بروتوكولات الوكالة الدولية للطاقة الذرية اللاحقة)

الإرهاب: اتخاذ إجراءات حاسمة ضد أيّ إرهابيين (وخاصة تنظيم القاعدة) على الأراضي الإيرانية، والتعاون الكامل وتبادل جميع المعلومات ذات الصلة.

العراق: تنسيق النفوذ الإيراني من أجل دعمٍ فعّال للاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديموقراطية وحكومة ديموقراطية تمثل جميع المجموعات العرقية والدينية في العراق.

الشرق الأوسط:
1. وقف أيّ دعمٍ مادي لمجموعات المعارضة الفلسطينية (حماس، جهاد، إلخ) من الأراضي الإيرانية، والضغط على هذه المنظمات لوقف أعمال العنف ضد المدنيين داخل حدود عام 1967.

2. العمل على جعل "حزب الله" منظمة سياسية واجتماعية داخل لبنان حصرًا.

3. قبول مقاربة حل الدولتين.

الأهداف الإيرانية:
تقبل الولايات المتحدة حوارًا قائمًا على الاحترام المتبادل، وتوافق أن تضع إيران الأهداف التالية على جدول الأعمال:

تمتنع الولايات المتحدة عن دعم تغيير النظام السياسي بالتدخل المباشر من الخارج.

إلغاء جميع العقوبات: العقوبات التجارية، وتجميد الأصول، ورفض الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

العراق: ملاحقة منظمة "مجاهدي خلق"، ودعم عودة أعضائها إلى الوطن، دعم المطالب الإيرانية في دفع التعويضات العراقية، لا غزوَ تركيًّا لشمال العراق؛ واحترام المصالح القومية الإيرانية في العراق والروابط الدينية مع النجف وكربلاء.

الوصول إلى التكنولوجيا النووية السلمية، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الكيميائية.

الاعتراف بمصالح إيران الأمنية المشروعة في المنطقة مع القدرة الدفاعية المناسبة.

الإرهاب: اتخاذ إجراءات ضد منظمة "مجاهدي خلق" والمنظمات التابعة لها في الولايات المتحدة.

هذه هي الأهداف التي اقترحها الإيرانيون في خريطة الطريق لسياستهم وسياسة الولايات المتحدة، كما جاءت في صورتها التي نشرتها "واشنطن بوست" بعد مرور نحو أربع سنوات. لم يتنصل الإيرانيون من مقترحاتهم بالكامل، لكنّهم روّجوا في الوسط الإعلامي الأميركي روايةً مختلفة تزعم أن أصلها اقتراحات أميركية ردّت عليها طهران باقتراحات مقابلة؛ وقدّموا نصوصًا معدّلة لمضامينها، ففي خريف العام 2007 نشر المتخصص في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط  والباحث الأبرز في الشأن الإيراني بارسي تريتا مذكرة السفير غولدِمان كما جاءت في "واشنطن بوست"، لكنه لم ينشر خريطة الطريق المرفقة بها، ونشر بدلًا منها النسخ الإيرانية المعدلة، وذلك في كتابه (Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States).

برغم التعديلات، فإن الإيرانيين لم يغيروا شيئًا جوهريًّا في الأهداف التي اقترحوها للولايات المتحدة في ما يتعلق بالتخلي عن دعم المقاومة وقبول حل الدولتين؛ فبينما بقي البند المتعلق بـ"المجموعات المعارضة الفلسطينية" كما هو، غيّروا البندين المتعلقين بـ"حزب الله" وحل الدولتين على الوجه التالي:

"العمل على جعل حزب الله مجرّد منظمة سياسية داخل لبنان" 

"قبول إعلان بيروت لجامعة الدول العربية" (المبادرة السعودية، مقاربة حل الدولتين) 
أما بند العراق فصار في الأهداف الأميركية كالتالي:

"تنسيق النفوذ الإيراني من أجل دعمٍ فعّال للاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديموقراطية وحكومة غير دينية"

الملاحظ هنا أنهم حذفوا نص "حكومة ديموقراطية تمثل جميع المجموعات العرقية والدينية في العراق" ووضعوا محله "حكومة غير دينية" ليجعلوا من "حكومة ديموقراطية كاملة التمثيل في العراق" ضمن الأهداف الإيرانية.

وفقًا للمذكرة يقول السفير غولدِمان: "إن صادق خرازي عنى الموافقة على النقاط نفسها وليس الموافقة على أن تضعها الولايات المتحدة على جدول الأعمال فقط"، ويضيف: "عندما حاولتُ الحصول منه على إجابة دقيقة حول ما وافق عليه المرشد صراحةً"، قال: "إن انعدام الثقة بالولايات المتحدة يفرض عليهم التحرّك بحذر شديد وسرية تامة".

فهم غولدِمان أن الإيرانيين "أرادوا أن يكونوا متأكدين؛ إذا فشلت المبادرة وانكشف أي شيء عن المرونة الإيرانية الجديدة المعلنة فيها، فإنهم، ولأسبابٍ داخلية، لن يكونوا ملزمين بها"، لكنه أكد في الختام: "في كل الأحوال لديَّ انطباعٌ واضحٌ بأن هناك الآن إرادة قوية لدى النظام لمعالجة المشاكل مع الولايات المتحدة، ومحاولة ذلك من خلال هذه المبادرة".

في الحديث عن الخطوات الإجرائية فإن المقترحات الإيرانية حددت جدول أعمال للمفاوضات والخطوات التي يمكن تحقيقها في الاجتماع الأول، ونصت على وضع خرائط طريق في شأن نزع السلاح، والتعاون الاقتصادي، والأمن الإقليمي "في سبيل تحقيق الأهداف المتعلقة بالإرهاب والشرق الأوسط"؛ ونصّت على "بيان إيراني تعلن فيه إيران دعم الحل السلمي وقبول الحل الذي يرتضيه الفلسطينيون، وإنّها تتابع باهتمام النقاش حول خريطة الطريق التي قدّمتها "اللجنة الرباعية"، لكنَّ هذا البند حُذف في النسخة المعدّلة واستعيض عنه بـ"بيان إيراني عام يدعم حلاًّ سلميًّا في الشرق الأوسط بمشاركة الأطراف المعنية".

جديرٌ بالذكر أن اللجنة الرباعية تشكلت من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وأُعلن عنها في الثاني من نيسان/ أبريل عام 2002 في العاصمة الإسبانية مدريد، سعيًا إلى إنقاذ مسار عملية السلام المتعثرة و"تحقيق سلام إقليمي شامل بين إسرائيل ولبنان، وإسرائيل وسوريا، استنادا إلى القرارين 242 و 338، ومرجعيات مؤتمر مدريد 1991، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وتحقيق رؤية الدولتين، إسرائيل آمنة ومستقرة، وفلسطين ذات سيادة ومتصلة وديموقراطية، تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن".

أمّا في الأهداف التي اقترحها الإيرانيون لأنفسهم أملًا بموافقة الولايات المتحدة عليها، فقد غيّروا البند المتعلق بالعراق على النحو الآتي:

حكومة ديموقراطية كاملة التمثيل في العراق، دعم المطالب الإيرانية بالتعويضات العراقية، واحترام المصالح القومية الإيرانية في العراق والروابط الدينية مع النجف وكربلاء.

الملاحظ هنا أنهم حذفوا عبارة "لا غزوَ تركيًّا لشمال العراق"، كما نقلوا مطلب "ملاحقة منظمة مجاهدي خلق، ودعم عودة أعضائها إلى الوطن" إلى بند الإرهاب وطالبوا في الخطوات الإجرائية بالتزامٍ أميركي وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1373، الذي صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونص على مكافحة الإرهاب ومنع التمويل عن المنظمات الإرهابية وملاحقة أعضائها جنائيًّا.

جاءت التغييرات على المقترحات الأصلية مركّبة، حيث تغيرت أولًا لتكون "مقترحات أميركيّة"، ثمّ تغيرت عند "الرد الإيراني" عليها؛ لذلك تناولتُ نصوصها النهائيّة وركّزت على النصوص والتغييرات المتعلقة بالعراق والمقاومة و"تحرير فلسطين"، لما لذلك من علاقة مباشرة بالشعارات الإيرانية التي تسترت بها إيران لفرض نفوذها في المنطقة. 

من الطبيعي أن يبرز هنا الاعتراض بحقيقة الدعم المادي والسياسي الذي قدمته إيران لحركات المقاومة، وهو دعمٌ لا ننكره، لكننا نفهم حقيقة أبعاده وحدوده الاستراتيجية، ونردّه باختصار إلى الأسباب التالية:

أولًا: عدم تقدير دور إيران في إطلاق سراح الرهائن الغربيين في لبنان؛ مرّة عندما اختُطفت طائرة "تي دبليو أيه" أميركية صيف عام 1985، وأخرى عام 1989 عندما استجابت لخطاب الرئيس بوش الأب عند توليه الرئاسة: "النية الطيبة تولّد نية طيبة، ويمكن أن تكون طريقًا يتقدم باستمرار".

ثانيًا: إهمال "حياديتها" والتسهيلات التي قدّمتها في حرب تحرير الكويت 1990-1991 ؛ وذلك بعدم دعوتها لحضور مؤتمر مدريد (خريف 1991) مما أدى إلى عدم مشاركتها في المباحثات المتعددة الأطراف التي نتجت منه، وجعلها تشعر بالعزلة وتصعّد من خطابها الذي تجسّد في عقد مؤتمرٍ لدعم الانتفاضة الفلسطينية حضره ممثلون عن حركتي "حماس" و"الجهاد"، حيث كان ذلك الحضور الأول للحركتين في طهران.

ثالثًا: إدراجها ضمن "محور الشر" على الرغم من تعاونها الكامل مع الغزو الأميركي لأفغانستان (2001)

رابعًا: إهمال دورها في تسهيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003

خامسًا: عدم الالتفات إلى مقترحاتها التي عرضناها في هذا المقال

هذه العوامل أدّت إلى فشل سياسة "الإنفراج والتفاهم الدولي" التي انتهجها هاشمي رفسنجاني (1989-1997) بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية، وسياسة "الإصلاح وحوار الحضارات" التي سار عليها خلفه محمد خاتمي (1997-2005)؛ مما دفع أحمدي نجاد (2005-2013) وخطابه المتطرف إلى سدّة الرئاسة، فأرخى بثقله على سياسة خلفه الرئيس روحاني (2013-2021) ونهجه لفك عزلة إيران ودمجها في المجتمع الدولي. على الرغم من ذلك تمكن روحاني من عقد "الاتفاق النووي" أيام الرئيس الأميركي باراك أوباما. لكن الرياح الأميركية لم تجرِ طويلًا بما تشتهي السفن الإيرانية، فصار كل شيء عالقًا الآن حول مضيق هرمز وفيه.

* كاتب عراقي

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
تحقيقات 5/8/2026 12:33:00 AM
كتبها المبعثرة، التي تحمل اسمها "ليال حمادة"، تؤكد أن هذه الطفلة كانت هنا، كما سائر الأطفال الذين سقطوا في "الأربعاء الأسود" داخل المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية.
لبنان 5/8/2026 9:15:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان...