التفاؤل المضلِّل... الجنوب لم يقترب بعد من وقف النار
*حسين سعيد
منذ يومين، سادت في لبنان موجة تفاؤل واسعة عقب التسريبات المتلاحقة حول تقدمٍ ما في مسار التفاوض الأميركي - الإيراني، ولا سيما ما نشره أكسيوس عن تبادل وثائق ومقترحات بين الطرفين، وما رافق ذلك من حديث عن هدنة محتملة أو تفاهمات أولية قد تُفضي لاحقًا إلى اتفاق أوسع. لكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن طبيعة الصراع الأكبر بين واشنطن وطهران تبدو قراءة متسرعة، بل ربما عاطفية، فرضها تعب اللبنانيين والجنوب خصوصًا من حرب مفتوحة لم تهدأ نيرانها بصورة فعلية.
فالأزمة اللبنانية الحالية ليست منفصلة عن الاشتباك الإقليمي الكبير، والجبهة الجنوبية لم تكن يومًا ملفًا مستقلًا بالكامل، بل إحدى ساحات الضغط المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران. ومن هنا، فإن أيّ تفاؤل بوقف قريب لإطلاق النار يبقى سابقًا لأوانه، لأن التسوية الشاملة نفسها لم تنضج بعد، وما يجري حتى اللحظة لا يتجاوز كونه مسارًا تفاوضيًا طويلًا ومعقّدًا، قد يتخلّله خفض للتوتر أو تفاهمات جزئية، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة الحسم.
التجربة السابقة كافية وحدها لتبديد كثير من الرهانات. فالاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لم يُكتب له النجاح، بعدما نجحت إسرائيل في إسقاط الشرط الإيراني القائم على وقف النار في كل الجبهات، لتعود سريعًا إلى التصعيد، مستفيدة من فصل الساحة اللبنانية عن ساحات الاشتباك الأخرى. ومنذ ذلك الحين، تتصرّف تل أبيب باعتبارها الطرف المتفوّق عسكريًا، والقادر على فرض الوقائع بالقوة، لا باعتبارها طرفًا يبحث فعلًا عن تهدئة دائمة.
لذلك، فإن إسرائيل ليست بوارد القبول بوقف كامل لإطلاق النار في هذه المرحلة، لعدة أسباب متداخلة. بنيامين نتنياهو يدرك أن أي توقف للحرب من دون تحقيق إنجاز واضح ضد حزب الله سيجعل الداخل الإسرائيلي في أزمة سياسية وأمنية خانقة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، ومع استمرار القلق الإسرائيلي حيال أمن المستوطنات الشمالية، كما أن تل أبيب ترى أن الوقت لا يزال يعمل لصالحها عسكريًا؛ ولذلك ستواصل استثمار تفوّقها عبر الاغتيالات والتدمير والضغط النفسي والإنساني، من أجل تحسين شروط أيّ تسوية مقبلة.
وما جرى قبل أيام في حارة حريك، عبر اغتيال أحد قادة قوة الرضوان، مباشرة بعد تسريب الحديث عن أوراق تفاوضية بين واشنطن وطهران، لا يمكن فصله عن هذا السياق. فالرسالة الإسرائيلية لم تكن موجّهة فقط نحو التشويش على أجواء التفاهم، بل أيضًا نحو استجماع أوراق قوة إضافية على طاولة التفاوض، عبر توسيع الضغط الميداني وترجمة التفوق العسكري مكاسبَ سياسية لاحقة.
أما الحديث عن تحييد بيروت والضاحية، فيبدو أقرب إلى محاولة أميركية لمنح رئيس الجمهورية جوزيف عون والحكومة اللبنانية هامشًا سياسيًا يساعدهما على مواصلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والتي تُستكمل جولاتها في واشنطن، أكثر مما هو تحول جذري في الموقف الإسرائيلي. فواشنطن وتل أبيب تحرصان على أن يُسجَّل أي تقدم محتمل لصالح الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا كإنجاز لمحور إيران أو لحزب الله.
في المقابل، لا تبدو الشروط اللبنانية نفسها قد نضجت بعد للوصول إلى اتفاق نهائي. فالبنود التي يطالب بها لبنان، من وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وترسيم الحدود، وإعادة الإعمار، تصطدم بملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بحصرية السلاح، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وطبيعة أي تفاهم أمني أو سياسي مستقبلي. كما أن المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تبدو في وارد الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع بيئتها الاجتماعية، ما يجعل تطبيق بعض الشروط المطروحة شديد الحساسية والتعقيد.

لذلك، فإن لبنان، بحكم تركيبته الداخلية وحساسية موقعه العربي، لا يستطيع الذهاب إلى أي تفاهم كبير مع إسرائيل تحت مظلة الاشتباك الإيراني - الأميركي وحدها، بل يحتاج إلى غطاء عربي واسع، تتقدمه المملكة العربية السعودية، بما يضمن عدم تحوّل أي تسوية إلى عنصر تفجير داخلي جديد. فالمسألة بالنسبة إلى لبنان ليست مجرد وقف نار عابر، بل ترتبط بمستقبل التوازنات الداخلية وموقع البلاد السياسي في المنطقة.
حتى ما يُسرّب عن قرب اتفاق بين واشنطن وطهران، تتحدث مصادر عديدة عن أنه سيكون محدودًا ومرحليًا في بداياته، وربما يركّز أولًا على آليات تخفيف الاحتقان في مضيق هرمز وتأمين الملاحة والطاقة وفق صيغة "رابح ـ رابح"، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم، والعقوبات، ودور حلفاء إيران في المنطقة.
أما الجنوب اللبناني، فسيبقى للأسف الساحة الأكثر عرضة لدفع أثمان هذا الانتظار الطويل. سيكون هناك مزيد من التهجير، مزيد من الدمار، مزيد من استنزاف القرى والناس والبيئة الحاضنة، على وقع حرب يبدو أنها لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. فكلما طال مسار التفاوض الأميركي - الإيراني، تحوّل الجنوب إلى ساحة ضغط مفتوحة تُدار بالنار والدم، فيما يترقب اللبنانيون تسوية قد لا تأتي قريبًا.
لذلك، فإن الحديث عن وقف قريب وشامل لإطلاق النار يبقى أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع. فالجبهة اللبنانية لن تنال استقرارًا حقيقيًا إلا ضمن اتفاق كبير ومتكامل يعالج جذور الاشتباك الإقليمي، ويُنتج تفاهمًا واضحًا بين واشنطن وطهران، برعاية عربية وازنة، وعندها فقط قد تمارس الولايات المتحدة ضغطًا جديًا على إسرائيل، كما قد تمارس إيران ضغطًا موازيًا على حزب الله للوصول إلى صيغة ترضي مختلف الأطراف. أما قبل ذلك، فإن التفاؤل سيبقى مضلِّلًا، فيما يبقى الجنوب معلّقًا بين نار الحرب وانتظار التسويات.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض