وطنٌ يُنشد نفسه... قراءةٌ في بلاغةِ الغيابِ في النشيدِ الوطنيِّ اللبناني

آراء 08-05-2026 | 10:27

وطنٌ يُنشد نفسه... قراءةٌ في بلاغةِ الغيابِ في النشيدِ الوطنيِّ اللبناني

وطنٌ يُنشد نفسه... قراءةٌ في بلاغةِ الغيابِ في النشيدِ الوطنيِّ اللبناني
العلم اللبناني.
Smaller Bigger
فاروق غانم خداج

ليست كلُّ الأناشيدِ الوطنيةِ أناشيدَ حرب. بعضُها يُكتَبُ لكي يُقاتل، وبعضُها يُكتَبُ لكي يمنعَ التفتّتَ الداخليَّ من أن يتحوّلَ إلى انهيارٍ كامل. من هذا الأفق، يمكنُ قراءةُ النشيدِ الوطنيِّ اللبناني، لا بوصفِه نصًّا احتفاليًّا يُستعادُ في المناسباتِ الرسميّة، بل بوصفِه محاولةً رمزيّةً لبناءِ وطنٍ هشٍّ عبر اللغة؛ وطنٍ لا يعرّفُ نفسَه بالقوّةِ ولا بالانتصار، بل بما يتركُه من صمتٍ بين الكلمات.

حين أعودُ إلى هذا النشيد، لا أسمعُه كنصٍّ سياسيٍّ مكتمل، بل كصيغةِ توازنٍ دقيقةٍ بين الرغبةِ في الاجتماع والخوفِ من الانقسام. وكأنّ لبنان، منذ لحظتهِ الرمزيّةِ الأولى، لم يستطع أن يقولَ نفسَه دفعةً واحدة، فاختارَ أن يُلمِّحَ إليها بدلَ أن يُعلنَها بالكامل.

النبرة الهادئة
كتب كلماتِ النشيدِ الشاعرُ رشيد نخلة، ووضع موسيقاه الموسيقارُ وديع صبرا، واعتمد رسميًّا في 12 تموز 1927، في زمنِ الانتدابِ الفرنسي، قبلَ ولادةِ الاستقلالِ اللبنانيّ بسنوات. غيرَ أنّ المدهشَ أنّ هذا النصَّ، الذي وُلدَ في ظلِّ سلطةٍ استعماريّة، لم يذهبْ نحو النبرةِ الثوريّةِ الحادّةِ التي طبعت أناشيدَ أوروبيّةً كثيرة، بل اختارَ صوتًا هادئًا، أقربَ إلى التأمّلِ الوجدانيّ منه إلى التعبئة.

في قراءتي الخاصّة، يبدو النشيدُ اللبنانيُّ أقربَ إلى نصٍّ يخافُ من الامتلاءِ الكامل. إنّه لا يقولُ أكثرَ ممّا يجب، ولا يرفعُ اللغةَ إلى حدِّ الصراخ. حتى جملتُه الافتتاحيّةُ «كلُّنا للوطن» تبدو كأنّها تُقالُ بهدوءٍ شديد، لا بوصفِها شعارًا صاخبًا، بل كتذكيرٍ حذرٍ بأنّ الجماعةَ لا تزالُ ممكنة.

نشيدٌ بلا عدو
ما يثيرُ الانتباهَ أكثرَ أنّ النصَّ يكادُ يخلو من فكرةِ “الآخر”. لا يوجدُ فيه عدوٌّ خارجيّ، ولا خصمٌ داخليّ، ولا لغةُ مواجهةٍ تُبنى عليها الهويّةُ كما في كثيرٍ من الأناشيدِ القوميّة. إنّه نشيدٌ لا يقومُ على “نحن ضدّهم”، بل على “نحن” وحدَها.
وربّما لهذا السبب تحديدًا بدا أقلَّ صخبًا وأكثرَ رهافةً وإنسانيّة. إنّه لا يحتاجُ إلى خصمٍ كي يُثبتَ وجودَه، بل يحاولُ بناءَ الانتماءِ عبر الرغبةِ في الاجتماع لا عبر الخوفِ من الآخر.

الاسم الغائب
من أكثرِ أبعادِ هذا النصِّ كثافةً ذلك الغيابُ شبهُ الكاملِ لاسم «لبنان». فالوطنُ حاضرٌ كإحساسٍ ومعنى وانتماء، لكنّ الاسمَ لا يردُ إلا مرةً يتيمةً في شطرٍ نادرًا ما يُنشد: «شَرْقُنا قلبُه أبَدًا لبنان»، بينما تَخلو الصيغةُ الرسميةُ المختصرةُ من هذا الشطر، لتبقى في التداول اليومي دون ذكر الاسم.

هذا الغيابُ ليس نقصًا، بل بلاغةٌ قائمةٌ بذاتها، حيثُ يصبحُ الصمتُ جزءًا من بناءِ المعنى. وكأنّ النصَّ يتعمّدُ أن يتركَ الوطنَ في منطقةٍ شعوريّة، لا في تعريفٍ سياسيٍّ مباشر.

وقد أشارَ بعضُ الباحثينَ إلى إمكانِ وجودِ إحالاتٍ رمزيّةٍ غيرِ مباشرةٍ إلى لبنان في المقاطعِ غيرِ المعتمدةِ رسميًّا، لكنّ النسخةَ المتداولةَ اليومَ تبقى قائمةً على هذا التوتر بين الحضورِ الشعوريّ والغيابِ اللفظيّ.

الفراغ المشترك
كذلك يخلو النشيدُ من أيِّ مرجعيّةٍ دينيّةٍ أو طائفيّة. في بلدٍ يكادُ يُعرَّفُ تاريخيًّا بتعدّدِ طوائفِه وانقساماتِه، يبدو هذا الصمتُ مقصودًا أكثرَ ممّا يبدو عفويًّا.

النصُّ لا يحدّدُ مَن هو اللبنانيُّ “الصحيح”، ولا يمنحُ الأفضليةَ لهويّةٍ على أخرى، بل يتركُ مساحةً مشتركةً يمكنُ للجميعِ أن يجدوا أنفسَهم داخلَها.

الجغرافيا الداخليّة
الحضورُ الجغرافيُّ في النشيدِ ليس وصفًا للطبيعةِ بقدرِ ما هو استعارةٌ عن تركيبةِ لبنان نفسه. فالجبلُ ليس تضاريسَ فقط، بل رمزُ حرّيّةٍ واحتماءٍ وتعدّد. والسهلُ صورةٌ للانفتاحِ واللقاءِ والامتداد. أمّا البحرُ، فيفتحُ الهويّةَ اللبنانيّةَ على فكرةِ العبورِ والتواصلِ والهجرةِ والعودة.
وكأنّ الجغرافيا هنا تتحوّلُ إلى لغةٍ تقولُ ما لا يستطيعُ الخطابُ السياسيُّ قولَه.

الزمنُ المعلّق
ومن اللافتِ أيضًا أنّ النشيدَ لا يعيشُ في زمنٍ واضح. لا ماضٍ مجيدٍ يستعيدُه، ولا مستقبلٍ يَعِدُ به، بل حاضرٌ دائمٌ يكادُ يكونُ معلّقًا خارجَ الزمن.
ربّما لهذا السبب استطاعَ النشيدُ أن يبقى، فيما تغيّرت خطاباتٌ وشعاراتٌ كثيرة. لقد ظلَّ قابلًا للإنشادِ في لحظاتِ الحربِ والانهيارِ والاحتجاج، لأنّه لم يربطْ نفسَه بسرديّةٍ واحدةٍ نهائيّة.

اقتصاد المشترك
واللافتُ أيضًا أنّ النسخةَ الرسميّةَ المتداولةَ ليست النصَّ الكاملَ الذي كتبه رشيد نخلة، بل صيغةٌ مختزلةٌ جُمعت من المقاطعِ الثلاثةِ الأصليّة.
وهذا “الاقتصاص” بحدِّ ذاته يبدو امتدادًا لفكرةِ بلاغةِ الغياب: حذفُ ما قد يوسّعُ الاختلاف، والإبقاءُ على الحدِّ الأدنى القادرِ على صناعةِ المشترك.

الصمت بعد الانهيار
غيرَ أنّ هذا الصمتَ الذي منحَ النشيدَ قوّتَه الطويلة، يكشفُ اليومَ وجهًا آخرَ أكثرَ قسوة. ففي لحظاتِ الانهيارِ الكبرى، كما بعدَ انفجارِ مرفأِ بيروت أو خلالَ الانهيارِ الاقتصاديّ، بدا النشيدُ أحيانًا كأنّه آخرُ لغةٍ مشتركةٍ بين اللبنانيّين.

لكنّه بدا أيضًا، في مفارقةٍ مؤلمة، نصًّا يحاولُ حمايةَ معنى وطنٍ يتداعى أمامَ أعينِ أبنائه.
ماذا يعني أن يُنشَدَ «كلُّنا للوطن» فيما يشعرُ كثيرونَ أنّ الوطنَ نفسَه يختفي تحتَ الركامِ والعجزِ والخذلان؟

وطنٌ ممكن
في النهاية، لا يبدو النشيدُ الوطنيُّ اللبنانيُّ مجرّدَ لحنٍ رسميّ، بل محاولةً مستمرّةً لصياغةِ وطنٍ قابلٍ للحياةِ رغم هشاشتِه. إنّه نصٌّ يبني المعنى عبر ما يقوله وما يصمتُ عنه معًا، ويتركُ الهويّةَ مفتوحةً على احتمالاتِها بدلَ أن يُغلقَها داخلَ تعريفٍ نهائيّ.

وهكذا، يبقى هذا النشيدُ أشبهَ بلحظةِ وعيٍ جماعيٍّ تتجدّدُ كلّما ارتفعَ العلم، وكأنّ الوطنَ يعيدُ تذكيرَ نفسِه، في كلِّ مرّة، بأنّه لا يزالُ ممكنًا… رغمَ كلِّ شيء.

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
المشرق-العربي 5/9/2026 11:10:00 PM

نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.

المشرق-العربي 5/10/2026 5:05:00 AM
شقيق الرئيس السوري خارج التشكيلة الحكومية الجديدة... هل يصبح سفيراً في روسيا؟