المركب التائه الذي اسمه لبنان
*الدكتورة فاديا كيوان
انها الصورة الوحيدة التي ترتسم في ذهني عندما افكر بلبنان، في ضوء ما حصل منذ تأسيس دولة لبنان الكبير وحتى اليوم. وهو لم يخرج يوما عن هذه الصورة، خاصة بعد الاستقلال وبعد نكبة فلسطين.
كلمة حق تقال أن ظروف منطقة الشرق الأوسط لم تساعد أبداً لبنان على تحقيق الرسالة التي ارتضاها لنفسه. بل إن العكس هو الذي حصل، حتى ان خيارات لبنان نفسها: بلد الحريات وموطن الأقليات ومساحة للتعايش بين الأديان وجسر العيش المشترك ، كلها شعارات بقيت بدون مضمون مستدام. لا بل أنها شكلت بحد ذاتها تحديات بل واستفزاز لمحيط لبنان لأنها كانت تنادي دائما بعكس ما كان يجري في ذاك المحيط. من الحريات إلى مواطنة الاقليات الى التعايش ومن ثم العيش المشترك، كلها قضايا مأزومة وهي تشي بأن الجوار سائر على عكس لبنان او العكس… فأما ان ينجح هذا النموذج او ذاك.
تقلص الطموحات
لم نتنبه من مسار القضية الفلسطينية حيث رأينا تراجع الاعتدال على كلا الجانبين، الفلسطيني والاسرائيلي وفوز التطرف وارتفاع وتيرة العنف. لم نتنبه عند رؤية المسار التراجعي للحل - من تقسيم فلسطين والذي رفضته الدول العربية آنذاك- لم يقبلوا ابدأ ببعض من فلسطين بل أصروا على استرجاعها كاملة- واستطرد بعضهم بالقول إنه يريد رمي إسرائيل في البحر، الى حل الدولتين ومن ثم أوسلو ومن ثم ما نراه من حولنا من مشاريع تطبيع ومشروع ريفيرا اميركية/اسرائيلية في غزة…
لم نتنبه عندما غاب اسحق رابين وشيمون بيريز وتمدد شارون ومن ثم نتنياهو. والآتي يبدو أعظم. من فكرة العيش معا الى فكرة التعايش في دولتين الى فكرة التطهير العرقي والدولة العنصرية والترانسفير…

لبنان على مفترق طرق
فهل يمكن للبنان أن يواصل مسيرته نحو تحقيق المواطنة بين ناس من أديان ومعتقدات مختلفة؟
هل يبقى لبنان يعاند التاريخ ويسير عكس التيار ويتشبث برسالة لم يعد أحد يأبه بها؟
هل يبقى لبنان ينادي بنصرة الإنسان وغلبة الحق على الباطل في زمن انكسار منظومة قيم حقوق الإنسان والشرعية الدولية القائمة عليها وجنوح العالم نحو كباش تستعمل فيه كل الأسلحة؟
هل بأمكان لبنان ان يختار طريق أقل وعورة وأقل كلفة على شعبه وعلى دولته وأكثر سهولة المنال؟
هل أخطأ لبنان أن قرر تولي أمره بنفسه ولم يعد يقبل بوصاية احد عليه؟
في الواقع ليس هناك أصعب من التخلص من واقع شاذ لأن الزمن هو عدو لا يمكن الاستهانة به لأنه يجعل الناس تآلف مع الشواذ وتعتاد عليه فيصبح هو الصواب. وكذلك نشوء مصالح متعددة ومتشابكة تسعى بطبيعة الحال الى تثبيت واقع شاذ على انه طبيعي.
ومعلوم كم أن الخروج من الحروب على أنواعها، هو أمر صعب بالنظر الى نشوء اقتصاد حرب واقتصاد موازي واقتصاد اسود واقتصاد متفلت واقتصاد عابر للحدود وفئات متعددة مستفيدة من كل منهم…
المفارقة المؤلمة
المفارقة المؤلمة هي ان الشعب اللبناني تغير كثيرا بالمعنى الإيجابي للكلمة، وذلك لجهة الشعور بالتضامن والتعاطف مع الفئات التي تعاني أكثر من سواها في ظل الوضع المأزوم. وقد تغير المزاج الشعبي كثيرا في بعض الأوساط حيث كانت هناك أوهام حول الصراع العربي/الإسرائيلي وموقف اسرائيل من لبنان. فاليوم باتت الاغلبية الساحقة من اللبنانيين مقتنعة بأن إسرائيل تعادي لبنان كل لبنان بل وأكثر من ذلك. فهي تعادي رسالة لبنان الكبير نفسها، خصوصا إذا ما توقفنا عند مواقف وتصريحات قادة اليمين المتطرف في إسرائيل. فهم يضمرون الشر للبنان ولم يعودوا يترددون بالمجاهرة بهذا العداء بل وهم يأملون ان ينتقل لبنان من الحرب ضدهم الى الحرب الداخلية بين مكوناته.
هل عيل صبر الحالمين؟
عندما نضع جزمة من تمويل إيراني في ثياب البطريرك الماروني والذي كان أجدادنا يرددون ان مجد لبنان أعطي له، إنما نكون قد وقعنا في المحظور. وعندما نضع شارة الصهيونية خلف صورة رئيس الجمهورية - والذي ما برح يردد أنه يطالب بوقف فعلي لإطلاق النار قبل أي مباحثات وان مطلبيه الوحيدين هما استعادة الارض الوطنية كاملة وتحرير الاسرى اللبنانيين- نكون قد لمسنا الخط الاحمر وقدمنا اكبر خدمة للعدو. لم نكتفي بأستدراج العدو إلى أرضنا ضمن أجندة خارجية بل تحولنا نحو الداخل وحاولنا الذهاب الى الفتنة عملا بقول المثل العامي بأن جحى ما في غير على خالتو…
كلفة الفساد والميوعة والانتهازية
في جلسات الحوار الوطني في الطائف، انكب النواب اللبنانيون على واقع الانقسام الحاد في البلد وحاولوا تفسيره وإيجاد حلول جذرية لمعالجته.
فقرروا توحيد كتاب التاريخ وكتاب التربية الوطنية. وتولت الدولة وضع هذين الكتابين ظنا منها أنها بذلك ستوحد الأجيال الجديدة في نظرتها الى لبنان وفي انتمائها إليه وولائها له. كانت النتيجة نشوء " دولة حزب الله" -انظر كتاب وضاح شرارة، منشورات دار النهار ١٩٩٦- والنتيجة اليوم افظع في ظل عقود متلاحقة من الفساد والميوعة والانتهازية لا يغتفروا...
فاليوم نحن امام تربية وطنية من صنع إيراني صرف ينشأ عليها أطفال لبنان في بعض المناطق. فكيف وقفت الدولة بمؤسساتها وأجهزتها كشاهد زور أمام هذا الانزلاق الخطير؟
اين كانت مؤسسات الدولة وأجهزتها، والقوات الدولية وأجهزتها والدول الشقيقة والصديقة وأجهزتها بينما كان البعض يحفر الأنفاق ويصنع السلاح والذخيرة ويخزنها؟ ان كان كل هؤلاء كانوا يعلمون فتلك مصيبة وان لم يكونوا على علم بكل ذلك فالمصيبة أكبر.
ماذا بعد؟ هل نلازم الصمت ونترك العدو يدمر البيوت والمدارس والمستشفيات ويحرق الأرض وينشر اليباس واهلنا مبعثرون في مراكز الإيواء؟
هل نقلب الصفحة على أحلامنا بالاستقرار والازدهار والعيش بحرية وكرامة في هذا الشرق؟
هل نسلم بسيادة التطرف وارتفاع وتيرة العنف وعودة أشكال متعددة من الإرهاب في بلادنا وفي المنطقة بكاملها؟ فنكون قد أخفقنا في كل شيء؟
لماذا يا ترى تسير منطقة الشرق الاوسط الى الخلف فيما هي مهد الديانات السماوية؟ هل هي لعنة الله لذنب ارتكبناه أو ارتكبه اجدادنا؟ او ان الله اخطأ في الظن فينا؟
استغفر الله…
نبض