اقتصاد بلا بوصلة
أحيانًا، لا يعود الانهيار حدثًا اقتصاديًا عابرًا، بل يتحول إلى حالة استقرار بحد ذاتها، لا لأنه مستدام، بل لأنه يصبح الشكل الوحيد الممكن لعمل النظام.
السؤال اللبناني اليوم لم يعد تقنيًا: هل نحن أمام أزمة اقتصادية قابلة للعلاج، أم أمام اقتصاد فقد القدرة البنيوية على إنتاج الخروج من الأزمة؟
منذ عام 2019، لم يعد المسار مجرد تدهور في المؤشرات المالية، بل تفكك في الوظيفة الأساسية للاقتصاد: التنسيق. انكمش الناتج الحقيقي بنحو 35-40%، وتراجعت العملة بأكثر من 95% في السوق الموازية، فيما تراكمت خسائر النظام المالي إلى مستويات ضخمة، مع تجميد ودائع تتجاوز 100 مليار دولار. غير أن هذه الأرقام، رغم حدّتها، لا تفسّر الأزمة بقدر ما تكشف بنيتها.
ما يميز الحالة اللبنانية ليس حجم الانهيار، بل غياب المرجعية النقدية الواحدة. فعندما تتعدد أسعار الصرف، وتتجزأ الإشارات النقدية، وتفقد المؤسسات قدرتها على إنتاج توقع اقتصادي مشترك، لا يعود الاقتصاد نظامًا متماسكًا، بل يتحول إلى مجموعة سلوكيات فردية داخل فراغ تنسيقي.
في هذا الفراغ، تتشكل دينامية أقرب إلى حلقة مغلقة: فكل طرف يتصرف بعقلانية كاملة داخل بيئة غير قابلة للتنسيق. الدولرة، اكتناز النقد، التسعير المسبق للمخاطر، والانسحاب من العملة المحلية ليست انحرافات، بل استجابات منطقية داخل نظام فقد مرجعيته. غير أن مجموع هذه السلوكيات لا ينتج توازنًا جديدًا، بل يعيد إنتاج الاختلال نفسه بشكل دائري.
النتيجة ليست فوضى، بل انتظام الفوضى.
اقتصاديًا، يظهر ذلك في مسار ركود تضخمي واضح، بما يحمله من آثار اقتصادية واجتماعية واسعة، وفي ظل غياب مؤشرات انفراج قريب. يتجلى هذا المسار في انكماش النشاط الاقتصادي نتيجة اتساع حالة عدم اليقين، بالتوازي مع ضغوط تضخمية ناتجة عن صدمة في جانب العرض مرتبطة بارتفاع أسعار النفط والغاز وكلفة الاستيراد. ووفق تقديرات معهد الاستشارات والدراسات، ارتفع مؤشر الأسعار الاستهلاكية بنسبة 15.3% في آذار 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تُقدَّر البطالة بنحو 40%، خصوصًا في فئة الشباب، مع نمو اقتصادي يقترب من الصفر.
حتى الصدمات الكبرى، بما فيها التصعيد الإقليمي في السنوات الأخيرة، لم تغيّر هذا المسار بقدر ما زادت من حدّته، عبر ضغط إضافي على جانب العرض، وتراجع في التدفقات، وارتفاع في مستويات المخاطر، من دون أن تؤدي إلى أي إعادة تشكيل جوهرية للبنية الداخلية للنظام الاقتصادي.
لكن الخلل الأعمق ليس اقتصاديًا فقط، بل مؤسساتي. فالأزمة لم تعد في السياسات الخاطئة، بل في بنية القرار نفسها: غياب الاعتراف الكامل بالخسائر، تفكك إدارة النظام المالي، وغياب مركز موحد يعيد تعريف قواعد اللعبة. في هذه الحالة، لا يصبح تعطيل الحل نتيجة فشل، بل جزءًا من آلية استمرار النظام نفسه.
في العمق، لا تكمن المشكلة في ندرة الحلول التقنية، بل في انهيار الشرط الأول لأي إصلاح: وجود مرجعية مشتركة تُوحّد التوقعات. وعندما تختفي هذه المرجعية، تتحول السياسة الاقتصادية إلى ردود فعل متفرقة، يتعامل فيها كل فاعل مع واقع مختلف، وسعر مختلف، ومخاطر مختلفة، داخل اقتصاد واحد ظاهريًا، لكنه عمليًا مفكك إلى عوالم متوازية لا تتقاطع.
في هذه الحالة، لا تعود الدولة صانعة للإطار الاقتصادي، بل تصبح فاعلًا إضافيًا داخل فوضى التوقعات، بلا قدرة على إنتاج تنسيق جماعي أو فرض منطق اقتصادي موحد. وعندما تتآكل هذه القدرة داخليًا، ينعكس ذلك خارجيًا أيضًا، إذ تفقد الدولة موقعها في أي شبكة إقليمية أوسع، سواء في التجارة أو الطاقة أو البنى التحتية. وهنا يصبح غياب لبنان عن شبكات الطاقة الإقليمية نتيجة عدم اندماج بنيوي أكثر منه استبعادًا مباشرًا.
صحيح أن التصعيد الإقليمي في المنطقة وما رافقه من اضطرابات في الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر قد رفع كلفة المخاطر والتأمين وأعاد بعض التشويش إلى سلاسل الإمداد العالمية، إلا أن النتيجة لم تكن إعادة رسم خرائط الطاقة، بل تعزيز منطق يقوم على تحصين المسارات القائمة بدل خلق مسارات جديدة، مع تثبيت الاعتماد على البنى الأكثر رسوخًا والأقل قابلية للمخاطرة. فأسواق الطاقة في لحظات عدم اليقين لا تتوسع جغرافيًا، بل تنكمش نحو نقاط عبور أكثر استقرارًا، ما أدى عمليًا إلى تثبيت الاعتماد على الموانئ الكبرى والممرات البحرية المؤمّنة والبنى التحتية القادرة على امتصاص الصدمات.
وهذا تحديدا ما حصل في الشرق المتوسط. اذ عززت اكتشافات الغاز البحرية الاتجاه القائم نحو التصدير عبر الغاز المسال من مصر وإسرائيل وقبرص، بدل الدفع نحو إنشاء شبكات برية جديدة عبر بيئات سياسية وأمنية أكثر هشاشة. فاختيار مسارات الطاقة لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل يتأثر أيضًا باعتبارات المخاطر واستمرارية سلاسل التصدير القائمة.
في هذا السياق، لا يظهر لبنان كطرف مستبعد من خرائط الطاقة، بل كمساحة خارج البنية التحتية منذ البداية. فغياب شبكات النقل العابرة للحدود، ومحطات الربط، والممرات البرية المؤهلة، يجعل إدماجه في أي إعادة توزيع شبه غير ممكن، لأن شبكات الطاقة لا تُعاد هندستها تحت الضغط، بل تُعاد تأكيدها حول ما هو قائم أصلًا.
ما تكشفه هذه الصورة إذن ليس أزمة قطاعية، بل حالة نظامية أوسع: اقتصاد فقد مركزه، ودولة فقدت قدرتها على إنتاج التنسيق، ومحيط إقليمي يعيد تثبيت ممراته بدل إعادة رسمها. ويبدو المشهد في عمقه أقرب إلى حلقة مغلقة: جهات فاعلة تتحرك بعقلانية فردية داخل نظام فقد تماسكه الكلي، فتدور ضمن مسارات محسوبة بدقة لكنها لا تفضي إلى خروج فعلي من البنية نفسها. وكأن الاقتصاد يتحرك داخل جاذبية ثقب أسود: كل خطوة تبدو منطقية على المستوى الجزئي، لكن الاتجاه العام يظل دورانًا مستمرًا بلا مخرج، حيث يصبح السعي إلى الخروج جزءًا من آلية الدوران نفسها، مثل مستعمرة نمل تدور حول مركز غير مرئي، لا تصطدم به ولا تفلت منه، بل تعيد إنتاج حركتها حوله بلا توقف
نبض