لبنان بين الذاكرة والحدود: هل يعيد الجنوب فتح الجرح القديم؟

آراء 01-05-2026 | 11:55

لبنان بين الذاكرة والحدود: هل يعيد الجنوب فتح الجرح القديم؟

لبنان لا يحتاج إلى عدو أقلّ خطرًا فحسب، بل إلى دولة أكثر قدرة...
لبنان بين الذاكرة والحدود: هل يعيد الجنوب فتح الجرح القديم؟
آثار الدمار والتجريف في المنازل والشوارع في بلدة بيت ليف (أحمد منتش).
Smaller Bigger

*سهاد شقير

لا حرب تشبه سابقتها تمامًا… لكن الأخطاء القديمة تعرف طريقها جيدًا.

 

ليس لبنان اليوم أمام نسخة طبق الأصل من ماضيه، لكنه يقف في المكان الذي بدأت منه أزماته الكبرى منذ زمن طويل: حدود مشتعلة، دولة تبحث عن هامش قرارها، إسرائيل تتعامل مع الجنوب كمساحة ضغط أمني، وسلاح خارج المؤسسات الرسمية يطرح من جديد سؤال السيادة والقرار.

 

في مثل هذه اللحظات، يصبح الكلام السهل خطرًا. فلا يكفي أن يُقال إن لبنان ضحية عدوان إسرائيلي، مع أن ذلك صحيح في جوانب كثيرة. ولا يكفي أن يُقال إن مشكلة لبنان كلها في سلاح حزب الله، مع أن السلاح خارج الدولة يظل معضلة سيادية لا يمكن تجاوزها. الحقيقة أوسع وأشد تعقيدًا: لبنان بلد يحاول أن يحمي نفسه بدولة منهكة، في منطقة لا ترحم الضعفاء، وعلى حدود لم تعرف استقرارًا كاملًا منذ عقود.


من دولة الهدنة إلى قلق الجبهة

بدأ الخلاف اللبناني ـ الإسرائيلي في إطار مختلف تمامًا. بعد حرب 1948، دخل لبنان وإسرائيل في اتفاقية هدنة عام 1949. يومها كانت الدولة اللبنانية، رغم محدودية قدراتها، هي الطرف الذي يفاوض ويوقّع ويتحمل مسؤولية القرار. كان الصراع قائمًا، لكنه كان لا يزال مضبوطًا بمنطق الدول والحدود والاتفاقات.

 

لكن هذا الإطار بدأ يتآكل تدريجًا مع تحوّل الجنوب، منذ السبعينيات، إلى ساحة مفتوحة لصراعات أكبر من قدرة لبنان على ضبطها. دخل العامل الفلسطيني المسلّح، ثم جاءت الاجتياحات الإسرائيلية، وتحوّل الجنوب من منطقة حدودية إلى مسرح دائم للرسائل العسكرية. في 1978 دخلت إسرائيل جنوب لبنان، ثم جاء الاجتياح الأكبر عام 1982، فدخل البلد مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث اختلط الاحتلال بالحرب الأهلية وبالوصايات الإقليمية وبضعف المؤسسات.

 

منذ تلك المرحلة، لم يعد السؤال فقط: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ بل صار أيضًا: هل يملك لبنان القرار الكامل على أرضه؟

 

الدولة اللبنانية: ليست خصمًا… بل المساحة التي يجب إنقاذها

من الخطأ التعامل مع الدولة اللبنانية كأنها طرف معادٍ أو متقاعس بطبيعته. الدولة هنا ليست خصمًا، بل هي الإطار الوحيد القادر، إذا استعاد عافيته، على حماية البلد من منطق الساحات المفتوحة. مشكلتها أنها وُضعت مرارًا أمام وقائع أكبر من طاقتها: احتلال إسرائيلي، حرب أهلية، سلاح غير شرعي، انقسام داخلي، انهيار اقتصادي، ومجتمع دولي يتعامل مع لبنان أحيانًا كملف أمني أكثر منه كدولة ذات سيادة.
لهذا، فإن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل أداء سياسي رسمي. والدعوة إلى حصرية السلاح لا تعني تجاهل الخطر الإسرائيلي. بل العكس تمامًا: لا يمكن مواجهة إسرائيل بلبنان ضعيف، ولا يمكن حماية الجنوب إلا بدولة أقوى، وجيش أكثر قدرة، وقرار وطني واحد لا يتوزع بين المؤسسات والقوى المسلحة والحسابات الإقليمية.
الدولة ليست ترفًا إداريًا. في بلد مثل لبنان، الدولة هي خط الدفاع الأول قبل أي سلاح.

 

حزب الله بين ذاكرة الاحتلال وسؤال القرار

لا يمكن إنكار أن حزب الله نشأ في سياق الاحتلال الإسرائيلي، وأن حضوره ارتبط في بداياته بمقاومة هذا الاحتلال. لكن الوقوف عند لحظة النشأة وحدها لا يكفي لقراءة الحاضر. فبعد انسحاب إسرائيل من معظم الجنوب عام 2000، ثم حرب 2006، صار السؤال مختلفًا: ما وظيفة السلاح اليوم؟ ومن يقرر استخدامه؟ وكيف يمكن أن يتعايش قرار عسكري مستقل مع دولة يفترض أنها صاحبة قرار الحرب والسلم؟
هذه الأسئلة ليست استهدافًا لطائفة، ولا إنكارًا لوقائع الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ولا تبنيًا لوجهة نظر خارجية. إنها أسئلة لبنانية بامتياز. فكل دولة لا تملك قرار الحرب كاملًا تبقى عرضة لأن تُجرّ إلى مواجهات لا تتحكم بتوقيتها ولا بنتائجها.
في المقابل، لا يجوز استخدام ملف السلاح ذريعة لتجاهل مسؤولية إسرائيل. فالاحتلال والضربات والخروقات والتهجير ليست تفاصيل ثانوية. إنها جزء أساسي من المأزق. لكن مواجهة هذا المأزق تحتاج إلى دولة مكتملة القرار، لا إلى بلد يعيش بين شرعيتين: شرعية رسمية تمثل لبنان في العالم، وشرعية أمر واقع تتحكم بجزء من معادلة الحرب.

 

إسرائيل ومنطق استثمار الضعف

تعرف إسرائيل جيدًا هشاشة الوضع اللبناني. تعرف أن البلد منقسم، وأن اقتصاده منهك، وأن جيشه يتحمل أعباء تفوق إمكاناته، وأن الدولة تسعى إلى تثبيت سلطتها في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد. ومن هذه الثغرات تحديدًا، تتقدم إسرائيل عادة لتوسيع هامشها العسكري.

 

في كل محطة كبرى، من 1978 إلى 1982 إلى 2006، كان المنطق متشابهًا: استخدام القوة لفرض وقائع، ثم تحويل هذه الوقائع إلى شروط سياسية أو أمنية. واليوم، يعود الخطر نفسه بصيغ جديدة: مناطق عازلة، ضربات متقطعة، تهديدات للقرى، ونقاش دولي حول ترتيبات أمنية لا يستطيع لبنان أن يقاربها بفاعلية ما لم يكن قراره الداخلي موحدًا.

 

هنا تصبح السيادة امتحانًا مزدوجًا: سيادة في مواجهة الاعتداء الإسرائيلي، وسيادة في الداخل عبر حصر السلاح والقرار بالمؤسسات الشرعية.

هل يعيد لبنان الطريق القديمة؟

لا يسير لبنان حتمًا نحو مصيره القديم. ثمة فروق مهمة بين اليوم والأمس. الحرب الأهلية ليست قائمة. الدولة - رغم ضعفها - لا تزال تمثل الإطار الشرعي الجامع. الجيش اللبناني يحظى بثقة واسعة نسبيًا. واللبنانيون، بعد كل ما عاشوه، أقلّ استعدادًا لمنح الحرب شيكًا مفتوحًا.

 

لكن عناصر الخطر لا تزال موجودة. الجنوب مهدد، الحدود قلقة، الاقتصاد منهك، والقرار الوطني لا يزال موزعًا بين ضغط الاحتلال وحسابات الداخل والخارج. وإذا استمر هذا الواقع، فقد لا يحتاج لبنان إلى حرب كبرى تشبه 1982 كي يصل إلى نتائج مؤلمة شبيهة: نزوح، خراب، تسويات ناقصة، ودولة أكثر إنهاكًا.

 

التاريخ لا يعيد نفسه دائمًا بالدبابات ذاتها. أحيانًا يعود عبر المعادلات نفسها: ضعف الدولة، توسّع الخارج، انقسام الداخل، ثم البحث المتأخر عن حل كان يجب أن يبدأ قبل الانفجار.

لا خلاص إلا بالدولة

الحل لا يكون بالخطابات العالية، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بتحويل الدولة إلى شمّاعة، ولا بتجاهل الوقائع الأمنية التي يعيشها الجنوب. الحل يبدأ من مسار واضح: انسحاب إسرائيلي كامل من أي أرض لبنانية محتلة، وقف الخروقات والاعتداءات، تعزيز انتشار الجيش اللبناني، دعم الدولة ماليًا وسياسيًا، وفتح نقاش داخلي جدي حول السلاح ضمن إطار وطني لا يستفز الداخل ولا يلغي منطق السيادة.

 

فلبنان لا يستطيع أن يبقى بلدًا يفاوض باسمه الرسمي، بينما تُدار احتمالات الحرب من خارج مؤسساته. ولا يستطيع، في المقابل، أن يطلب من شعبه الصبر على الاعتداءات الإسرائيلية من دون قدرة فعلية على حمايته.

 

المعادلة الصعبة، لكنها الوحيدة الممكنة، هي هذه: لا أمن للبنان من دون دولة، ولا سيادة للدولة تحت الاحتلال، ولا استقرار مع قرار عسكري خارج المؤسسات.

الجنوب ليس هامشًا على الخريطة اللبنانية. إنه المكان الذي تنكشف فيه حقيقة البلد: قوته وضعفه، وحدته وانقسامه، ذاكرته ومستقبله. وكلما اشتعلت الحدود، عاد السؤال نفسه، لا بوصفه سؤالًا سياسيًا فقط، بل بوصفه سؤال بقاء: هل يستطيع لبنان أن يكون دولة كاملة، أم يبقى ساحة تنتظر التسويات بعد كل جولة نار؟

 

لبنان لا يحتاج إلى عدو أقلّ خطرًا فحسب، بل إلى دولة أكثر قدرة. ولا يحتاج إلى إنكار مخاوف أيّ طرف، بل إلى جمع هذه المخاوف تحت سقف واحد: سقف الشرعية اللبنانية.

 

فالخروج من الماضي لا يكون بتغيير أسماء الحروب، بل بكسر منطقها. ومنطقها، منذ عقود، واضح: حين تضعف الدولة، يتقدم الآخرون. وحين يتوزع القرار، يدفع الجنوب الثمن أولًا، ويدفع لبنان كله الثمن لاحقًا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها