التحولات الأمنية في أوروبا: الاستعدادات لخروج أميركا من الناتو...
د. خالد العزي*
منذ الأسبوع الماضي، تُعقد اللقاءات الأوروبية بين دول الاتحاد استعداداً لمناقشة سيناريو الخروج الأميركي من حلف شمال الأطلسي (الناتو). حيث بدأت أوروبا في التحضير لهذا الخروج من خلال تجهيزات فنية وعسكرية، وإعداد خطط تعتمد على تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتأسيس قوة دفاعية مستقلة.
تتضمن هذه الاستعدادات وضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل الناتو. وتشير الصحافة الأوروبية إلى أن تفاصيل "الخطة ب" (Plan B) لإعادة تشكيل هيكل الدفاع الأوروبي بدأت في التبلور رداً على الخطابات السياسية المتزايدة حول احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الناتو وأزمة الثقة المتعمقة في العلاقات بين أوروبا وأميركا.
وفقاً لمسؤولين أوروبيين، تهدف هذه الخطة إلى الحفاظ على قدرات الردع ضد روسيا، وليس لاستبدال الناتو. تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، مع سد الفراغ الناتج عن التراجع الأميركي باستخدام إمكاناتها الخاصة. ومع ذلك، فإن مساعي أوروبا لتأسيس بنية أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة قابلة للتفهم، ولكنها غير قابلة للتحقيق في المدى القصير، نظراً للتحديات المالية والاقتصادية التي تواجهها الدول الأوروبية.
إن تنفيذ هذه الخطة يتطلب توفير الإمكانات المادية والتكنولوجية اللازمة لبناء قدرة دفاعية، وهو أمر غير سهل. ولكن التحدي الأكبر يكمن في تكييف المجتمع مع هذا المفهوم الأمني الجديد، حيث يرى بعض المسؤولين أن نجاح الخطة يتطلب إعادة تفعيل التجنيد الإلزامي في العديد من الدول الأوروبية.
دور أوكرانيا في الأمن الأوروبي
يرى المحللون العسكريون الأوروبيون أن تصور أوكرانيا كـ"عبء" على أوروبا هو تصور خاطئ. فأوكرانيا تعتبر أحد الركائز الأساسية لنظام الأمن الأوروبي المستقبلي، حيث تمتلك ثاني أكبر جيش في أوروبا بعد روسيا، ولديها خبرة قتالية فريدة. وفي ظل تزايد تباعد الولايات المتحدة عن الناتو، يصبح الاعتماد على دولة قادرة فعلياً على القتال ضد روسيا أمراً بالغ الأهمية لأوروبا. ومن هنا، تعد أوكرانيا الحليف العسكري الأكثر وضوحاً بالنسبة للدول الأوروبية".
هذه الخطة جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات ديبلوماسية، بالإضافة إلى قنوات غير رسمية، ما يعكس أنها لم تُعتمد بعد كسياسة رسمية داخل الحلف، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.
دور تركيا في التحالفات القادمة
في ضوء هذه التطورات، قد تدفع الأوضاع الحالية تركيا إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية في حال تفكك الناتو. فقد بدأت تركيا ترى أن انهيار الحلف قد يتيح لها الفرصة لتعميق التعاون العسكري مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا، مما يتيح لها دوراً أكبر في الشرق الأوسط والمنطقة بشكل عام. خاصة أن تركيا تسعى لتفعيل دورها ضمن التحالف الرباعي الإسلامي العربي، حيث تُعتبر لاعبًا مهمًا في الأمن الأوروبي بفضل قدراتها العسكرية المتطورة وموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي، ما يستدعي إعادة النظر في العلاقات التركية الأوروبية بشكل أكثر عمقاً.
أما فيما يتعلق بسيناريوهات المواجهة المحتملة بين تركيا وإسرائيل، فإن هذه التحولات قد تدفع تركيا إلى إعادة صياغة سياستها الأمنية؛ حيث يرى البعض أن هذه المواجهة قد تتصاعد لتتحول إلى صراع أوسع يشمل الولايات المتحدة. في حال حدوث ذلك، قد تجد تركيا نفسها مضطرة لإعادة صياغة منظومتها الأمنية خارج إطار حلف الناتو، مع السعي إلى بناء هيكل دفاعي خاص بها. في هذه الحالة، قد لا تحتاج تركيا إلى تحالفات رسمية جديدة، بل يمكنها الاكتفاء بتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري ثنائية مع كل من روسيا والصين، مما يتيح لها تعزيز قدرتها الدفاعية واستقلالها الاستراتيجي".
تكمن أهمية استمالة الحلفاء الجدد، مثل كندا والدول الأخرى، في تعزيز قوة الدفاع الأوروبية وزيادة استقلاليتها في مواجهة التحديات المستقبلية. هذا التعاون سيمكن أوروبا من بناء شبكة دعم استراتيجي، مما يعزز قدرتها على التأثير في الساحة العالمية دون الاعتماد على الولايات المتحدة. مما يساهم في تشكيل قوة دفاعية أكبر وأكثر استقلالية، قادرة على مواجهة التحديات القادمة بشكل أكثر فعالية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض