عليا رياض الصلح: إمبراطورة الإحسان الهادئ الكريم
في السادس والعشرين من نيسان 2007، منذ تسعة عشر عاماً ، غادرتنا سيدة نادرة الوجود والمثال، بهدوء وطمأنينة، وبذلك الشعور النبيل الرائق بأنها أتمّت مهمتها. كان جنود حزب البعث السوري قد غادروا لبنان قبل عامين، تماماً كما طالما تمنّت وطالبت وأصرّت بكل حماسة روحها وحدّة قلمها. عليا رياض الصلح، الابنة الكبرى لرياض الصلح — ذلك المهندس الخالد لاستقلال لبنان — توفّيت في باريس، تاركة أثراً مضيئاً لا يُمحى في قلوب كلّ من عرفها وعجب بها وأحبّها.لم تكن امرأة عادية: كانت تجسّد عصرًا، ومطلبًا، ورقيّاً أسمى. ولدت في البيت نفسه الذي ولد فيه لبنان الحديث، يتيمة في الثانية عشرة من أب اغتيل لأنه تجرّأ على حلم أمّة حرّة ومستقلّة، حملت عليا رياض الصلح منذ شبابها المبكّر مشعل هذا الإرث بوقار وحماسة يفرضان الاحترام العالمي. أنيقة إلى حدّ الإبهار، متألقة، كاريزمية إلى حدّ السحر، كانت تسود الصالونات والمنابر دون أن تسحق، مزجةً ذكاءً خاطفاً بفتنة لا تُقاوم وبسخرية لاذعة تُذعن أشدّ خصومها ضراوة.
الافتتاحيات الحادة
صحافية عبقرية، كتبت في أبرز الصحف اللبنانية والفرنسية والأميركية افتتاحيات حادّة وأنيقة وخالدة — تلك «أنا ضدّ» التي زعزعت الضمائر الأقوياء. لم تخفْ شيئاً ولا أحداً: لا السوريين، ولا الإسرائيليين، ولا أزياء السياسة العابرة. وبثبات صديقها ريمون إدّه، كانت تندّد بالوصاية الخارجية والانقسام الأخوي ونسيان الذات الذي كان لبنانها الحبيب يخاطر بالغرق فيه. لاجئة طوعية إلى باريس بعد غزو 1982، لم تبحث عن راحة هناك: حوّلت منزلها إلى مقرّ حقيقي للقضية اللبنانية، تمارس الضغط السياسي دون كلل أمام الهيئات الدولية، رافضة بأناقة سيادية أن يصبح لبنانها «غريباً كمصيف كلوب ميد في بنغلاديش».لكن وراء المقاتلة السياسية الجريئة، كانت عليا رياض الصلح فوق كلّ شيء، وبسرّ أعمق، إمبراطورة الإحسان الهادئ الكريم. لم تُظهر أعمالها الخيرية؛ كانت تنجزها بتلك الأناقة الفطرية التي كانت توقيع روحها. أسّست وأدارت جمعية رياض الصلح، حريصةً على أن يعود الإرث الأخلاقي والسياسي لوالدها على الأجيال الجديدة، على هؤلاء الشباب الذين كانت تقول عنهم بحزن ممزوج بالأمل إنهم يرحلون في الثامنة عشرة «صغاراً بعض الشيء على اليأس». كانت تؤمن بحماس بالتعايش، بالحرية، بذلك لبنان الذي يولد فيه الإنسان مع فكرة الأخوّة نفسها. أرادت للبنانيين أن يتذكّروا رسالتهم، ألّا يشكّوا أبداً في أنفسهم ولا في مصيرهم.من عرفوها — وكانوا كثرًا، من كلّ طوائف وأجيال — يحتفظون بذكرى نور. مضيئة، حيّة، كانت تنير كلّ حديث، كلّ لقاء، كلّ قلب لمسته. عُرضت عليها الوزارة، بل الرئاسة، لكسر الحلقة الطائفية. كانت تردّ ضاحكة بتلك العبارة الدامغة التي كانت سرّها: «ربما أقبل أن أُنتخب رئيسة للجمهورية…» فضّلت ظلّ العمل الحقيقي المثمر على ضوء الألقاب الزائل.
بعد 19 عاما
اليوم، بعد تسعة عشر عاماً على رحيلها، نفتقد عليا رياض الصلح كما يفتقد لبنان جزءاً من أنبل روحه. لكنها تبقى معنا، أحيى من أيّ وقت مضى. إنها تمثّل، لكلّ من عرفها ولكلّ من يكتشفها عبر إرثها، ما في لبنان من أجمل: الشجاعة بلا غطرسة، الوفاء بلا تعصّب، الإحسان بلا تباهٍ، حبّ الوطن بلا عمى. تعلّمنا أن المرء يستطيع أن يموت مطمئناً حين يكون قد خدم، بلا كلل وبلا حساب، قضية الحرية والكرامة .فليظلّ مثالها يلهم بنات وأبناء هذا الوطن الذي أحبّته حبّاً عميقاً. وليكن ذكراها، للأجيال الجديدة، ذلك المشعل الذي حملته بكلّ هذه الرقيّ والقوّة. عليا رياض الصلح لم ترحل: إنها ترقب، هادئة ومبتسمة، لبنانها الذي كانت، وستبقى إلى الأبد، أوفى بناته، وأرقاهنّ، وأكثرهنّ لا غنى عنه.سلام على روحها العظيمة الجميلة. بفضلها، يتذكّر لبنان أنه من الممكن أن يكون حرّاً موحّداً كريماً. وهذا، لن يستطيع أحد أن ينتزعه منه.
نبض