انتخابات محلية فلسطينية بأهداف كثيرة!
لا يمكن التقليل من أهمية الانتخابات المحلية التي جرت في الضفة الغربية ومدينة دير البلح الغزاوية نهار السبت الماضي، ذلك أنها استحقاق متأخر منذ فترة طويلة، وتحتاجه البلدات والقرى الفلسطينية لتفعيل بعض الخدمات الضرورية.
لكن البُعد الآخر –أو ربما الأهداف غير المُعلنة – لهذه العملية أثار تساؤلات كثيرة، وقد يكون هو الأهم سياسياً واستراتيجياً، ويمكن أن يكون وراءه مشروع مستقبلي غير واضح المعالم.
والعملية جرت وسط هجمة إسرائيلية شرسة تتعرَّض لها مناطق السلطة الفلسطينية. وبعض رموز الاحتلال الإسرائيلي كشفوا عن نواياهم الخبيثة لإعادة ضمّ الضفة، ووزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين قال "إن ما يجري في الضفة هو تطبيق السيادة الإسرائيلية على أرض الواقع" برغم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقرار الضمّ، ومعارضة الدول الأوروبية لهذه العملية العدوانية.
العملية الانتخابية أضفت إلى تجديد هيئات الإدارة في 380 وحدة بلدية وقروية، فاز منهم 197 مجلساً بالتزكية، وانتُخِب 183 مجلساً بالتنافس بين رجال الأعمال ورموز العائلات والعشائر، وغالبية المجالس الجديدة محسوبة على الجناح السياسي الذي يسيطر على السلطة في رام الله، من دون أن يكون لحركة "حماس" أي دور فيها، وهذا لا يعني أن حركة "فتح" هي التي تحكَّمت باللعبة بالكامل، ذلك أن القائمة المدعومة منها خسرت في مدينة جنين، وهي من أبرز الوحدات الإدارية ولها رمزية سياسية كبيرة.
ملاحظات...
يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات والاستنتاجات في سياق تقييم العملية الانتخابية:
أولاً: لماذا أجريت الانتخابات البلدية قبل الانتخابات الرئاسية والتشريعية المُعطلة منذ العام 2005 والعام 2006 على التوالي؟ ولماذا لم تشمل الانتخابات مدينة القدس الشرقية؟ حتى ولو كانت قوات الاحتلال ستُقدم على تعطيلها، لأن شمول الدعوة لمنطقة القدس وجوارها لها رمزيتها الوطنية والسياسية. وإذا ما ربطنا هذه التساؤلات أعلاه بنتائج الانتخابات البلدية التي أسفرت عن وصول غالبية من رجال الأعمال والبراغماتيِّين، قد تتبلور لدينا فكرة مقاصد تهميش الجانب الوطني والسياسي لصالح إدارة ذاتية خدماتية لمناطق الضفة والقطاع، تُبعِد الهوى النضالي، وقد يصل بنا الوضع في المستقبل إلى التخلي عن المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لخطة السلام العربية للعام 2002، لصالح مشروع يُشبه "مجالس السلام" أو المناطق الاقتصادية التي يؤسَّس لتشكيلها في قطاع غزة وفي غيره من المناطق والدول.
ثانياً: تعكس نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت في 25 نيسان/أبريل 2026، والتي بلغت نحو 45%، مؤشراً سياسياً له دلالته، خاصة عند مقارنتها بالدورات السابقة التي تراوحت بين 60% و64%. هذا التراجع، وإن بدا محدوداً رقمياً، إلا أنه يحمل في مضمونه تعبيراً واضحاً عن فتور الحماسة الانتخابية وتراجع مستوى التعبئة السياسية، ويعكس مزاجاً شعبياً حذِراً يميل إلى الإنكفاء بعض الشيء. كما يشير إلى تآكل تدريجي في الثقة بجدوى العملية الانتخابية، ليس فقط كأداة خدمية، بل كمدخل لأي تغيير سياسي أوسع، في ظل بيئة عامة تتسم بالانسداد السياسي واستمرار ضغوط قوات الاحتلال التي تقيِّد الفعل الوطني وتحد من آفاقه.
لون سياسي واحد
ثالثاً: أظهرت النتائج تكريساً واضحاً لهيمنة لون سياسي واحد، حيث برزت الغالبية من الفائزين - سواء ضمن القوائم الحزبية أو حتى المستقلة - من الذين يدورون مباشرةً أو مواربةً في فضاء حركة فتح، بما يعكس شكلاً من أشكال إعادة إنتاج السيطرة السياسية ولكن بأدوات محلية مموَّهة. حتى القوائم التي قدمت نفسها تحت عناوين خدمية أو وطنية جامعة، بدت في جوهرها امتداداً لهذا الحضور، بما لا يخدم مقاربة التعددية السياسية.
رابعاً: في قراءة أعمق، يمكن فهم هذه المؤشرات ضمن اتجاه أوسع يقوم على الفصل المتزايد بين السياسة والإدارة، وبين العمل الخدماتي والمشروع الوطني، وهو اتجاه يحمل دلالات حساسة على مستوى بنية النظام السياسي الفلسطيني. إذ توحي النتائج بوجود مسار يسعى إلى إعادة تعريف دور الهيئات المحلية باعتبارها أذرعاً إدارية تقنية، بعيداً عن أي امتداد سياسي أو سيادي، وهناك خشية أن تتقاطع هذه النتيجة مع تصورات إسرائيلية قائمة على تقليص الفعل السياسي الفلسطيني وتحويله إلى إدارة مدنية منزوعة المضمون الوطني.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض