لبنان على حافة التحوّل: تسوية تُفرض ببطء وسلاح "حزب الله" يفقد حصانته
حسين سعيد
لم يكن وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" سوى لحظة تهدئة عابرة في مسار صراع لم يُغلق بعد. فالهدنة التي وُقّعت لم تُنهِ الحرب بقدر ما أعادت ضبط إيقاعها، وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية أكثر تعقيداً، عنوانها الفعلي: التسويات التي تُصاغ خارج ميادين القتال.
ولا يمكن قراءة الجبهة اللبنانية بمعزل عن المسار الأشمل بين الولايات المتحدة وإيران. فلبنان، مجدداً، يجد نفسه في قلب معادلة إقليمية تُدار تفاصيلها في الخارج، بينما تُترك انعكاساتها الثقيلة للداخل. ومن هنا، فإن فهم ما يجري جنوباً يبدأ من لحظة التفاهمات الكبرى التي تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
ماذا تقول المؤشرات؟
المؤشرات المتراكمة توحي بأن مسار تسوية بين لبنان وإسرائيل لم يعد مجرد احتمال نظري، بل عملية تتقدم بهدوء وثبات. فالاتصالات بين بيروت وواشنطن تتكثف ضمن رعاية أميركية مباشرة، بهدف بلورة صيغة لا تُعلن بالضرورة كاتفاق سلام، لكنها تحمل في بنيتها عناصر استقرار طويل الأمد.
في الداخل اللبناني، تبدو ملامح القرار السياسي أكثر وضوحاً. الرئيس جوزيف عون، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، يتقدّم بمقاربة واقعية تقوم على تثبيت حقوق لبنان وتحصين موقع الدولة في أيّ تسوية مقبلة. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فرغم تمسّكه المعلن بسقف سياسي حذر تجاه أيّ تفاوض مباشر، فإنه يدرك أن التحوّلات الإقليمية تجاوزت منطق المراوحة، وأن انتظار تبلور الصورة بين واشنطن وطهران بات جزءاً من الحسابات لا من الخيارات.
مرحلة معقدة
في المقابل، يقف "حزب الله" أمام مرحلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالحرب الطويلة لم تترك أثرها على البنية السياسية والعسكرية فقط، بل انعكست مباشرة على المجتمع الذي يُفترض أنه يشكّل حاضنته الأساسية. الخسائر البشرية المتراكمة، والنزف المستمر في القرى الجنوبية والبقاعية، والدمار الواسع في البنى التحتية والمنازل، كلها عناصر صنعت واقعاً اجتماعياً مثقلاً بالإرهاق والصدمة.
اقتصادياً، تتسع دائرة الانهيار داخل هذه البيئة نفسها، حيث تتراجع فرص العمل، وتتآكل الموارد، وتُستنزف مدخرات العائلات في إعادة بناء ما يُهدم بشكل متكرر. ومع كل جولة تصعيد، تتعمق الهوة بين الخطاب التعبوي والواقع المعيشي اليومي.
أما الأهم، فهو أن مستوى الاستياء داخل هذه البيئة لم يعد هامشياً أو قابلاً للاحتواء. فبينما لا يظهر بشكل صدامي مباشر، إلا أنه يتجلى بوضوح في النقاشات الداخلية وفي المزاج العام المتبدل، حيث تتزايد الأسئلة حول جدوى الاستمرار في مسار مكلف بلا أفق واضح، وحول كلفة الخيارات السياسية مقارنة بما تنتجه على الأرض من نتائج فعلية.
معادلة مركزية
في هذا السياق، تتقدم معادلة مركزية: لا استقرار مستداماً من دون احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم. وسلاح "حزب الله"، في هذا الإطار، لم يعد مجرد ملف داخلي خلافي، بل أصبح محورياً في أي تسوية تُبحث جدياً.
صحيح أن المرحلة الانتقالية قد لا تشهد طرحاً مباشراً وحاداً لمسألة نزع السلاح، نظراً إلى تعقيدات التوازنات الداخلية، إلا أن الاتجاه العام واضح: زمن ازدواجية القرار الأمني يتراجع تدريجاً. والرئيس جوزف عون، بما يمثله من موقع مؤسساتي وخبرة عسكرية، يقدّم نفسه كضامن لعدم التفريط بأيّ حق سيادي، وفي الوقت نفسه كحامل لمشروع دولة لا يمكن أن تستقيم مع ازدواجية القوة.
أما المسار الدولي، فتقوده الولايات المتحدة عبر مقاربة تدريجية، تقوم على مبدأ “الضمانات مقابل الاستقرار”. وتشمل هذه المقاربة انسحاباً إسرائيلياً، دعم إعادة الإعمار، وترتيبات أمنية جديدة تمنح الدولة اللبنانية مساحة فعل حقيقية على الأرض.
ماذا عن إيران؟
في المقابل، تبدو إيران في موقع إعادة تموضع لا في موقع المبادرة المطلقة. فارتفاع كلفة المواجهة وضغط التوازنات الإقليمية يدفعانها إلى الانخراط في تسويات ضرورية، مع محاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من أوراقها التفاوضية. وهذا التحوّل سينعكس حكماً على أدوار حلفائها في الإقليم، وفي مقدمتهم "حزب الله".
وبناءً على ذلك، فإن الحزب لن يكون خارج هذا التحوّل، بل سيكون جزءاً منه، ولو على نحو تدريجي. فمع تغيّر البيئة الإقليمية، وتبدّل أولويات الداخل، يتراجع هامش الخيارات التقليدية، ويصبح التكيّف مع منطق الدولة مساراً أكثر منه خياراً.
في الخلاصة، يبدو أن قطار التسوية انطلق بالفعل، وإن ببطء محسوب. وما بين إعادة تعريف دور الدولة، وتراجع منطق السلاح الموازي، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما الدخول في مرحلة سياسية جديدة تُعيد الاعتبار للمؤسسات، أو البقاء في دائرة انتظار تُدار من الخارج وتُدفع كلفتها من الداخل.

نبض