نحو حوار للحد من خطاب الكراهية

آراء 23-04-2026 | 20:40

نحو حوار للحد من خطاب الكراهية

من منهجية الإنسان الراقي أيضاً أن يسعى بكل ما أعطي من قدرة وعزيمة على تمكين الآخر من إبداء رأيه المخالف دون خوف أو وجل...
نحو حوار للحد من خطاب الكراهية
علم لبنان (أرشيفية).
Smaller Bigger

* الشيخ د. محمد نقري

لبنان ليس شعباً موحداً وهذه كانت اللبنة الأولى التي حاول نظامه السياسي التعددي الطائفي أن يوفق بين مكوناته المتشعبة. لطالما كنت أردد مفتخراً في مداخلاتي داخل لبنان وخارجه بأن هذا النظام التعددي هو أفضل نظام يعطي حقوقاً لكل مجموعاته الطائفية بحيث أصبح كما يُردد دائماً في الشعارات بأن لبنان هو متحف وخزان للطوائف الدينية، فلا يسعى نظامنا التعددي الطائفي كما كان يعلن الدكتور أدمون رباط إلى إلغاء الطوائف الصغيرة بل يحترم ويمنح استقلالية لأصغر الطوائف ولا يجعلها تذوب في قالب الطوائف الأكثر عدداً. فنظامنا التعددي هو أفضل نظام سياسي الذي يمكن أن تعتمده الدول المتعددة الطوائف والأعراق والثقافات، ولكننا للأسف أثبتنا وخاصة في السنوات الأخيرة بأننا لا نستحق هذا النظام التعددي، فقد جعلناه مرتعاً خصباً لخطابات الكراهية وتربة خصبة لزرع الأحقاد والإتهامات، مختبئين محميين محصنين وراء طوائفنا. في كل موسم نحصد في لبنان قطاف ما زرعناه من خطابات الكراهية أرتالاً موضبة ومعلبة من الفتن الداخلية المتنقلة والمتفلتة في الأحياء والمدن والقرى. 

 

خلال سنين طويلة قضيتها ساعياً في تعزيز الحوار الديني، كثيراً ما كانت تغمرني السعادة عندما كنت استشهد بهذه الكلمات الرائعة التي قالها في لبنان البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1997: "لبنان أكثر من بلد إنه رسالة الى العالم". الآن أستطيع بحزن وأسى واعتذار من كل من كان يسمعني في محاضراتي وكتاباتي في لبنان والخارج أن أقول بأننا أفشلنا بأيدينا هذه المقولة بسبب خطابات الكراهية لنجعل من لبنان باحة للفتن والصراعات وليس رسالة سلام ومحبة للعالم. يكفي أن نطّلع على الأحداث ومجريات الأمور في كل فتنة داخلية وموقف معلن لطرف معين أو لقرار حكومي أو لتعبئة حزبية حتى نسمع كمية الشتائم والتخوين والكره والأحقاد التي تنتشر في الوسائل الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي. وقفت على ما كان يقال: إذا أردت معرفة رقي شخص فانظر إليه كيف يتعامل مع من يخالفه الرأي والفكر والمعتقد، وإذا أردت معرفة أخلاق شخص فانظر إليه حين يغضب. الكثير منا أو بعضنا في لبنان أثبت بالقول والكتابة والفعل صدق هذه المقولة عند ما نغضب. 

 

صفة رقيّ الشخص تمنح لمن يعتقد بأن لكل إنسان رأي وموقف من الأحداث الجارية، وأن الذي يريد خيراً لبلده هو الذي يعبّر عن رأيه بأدب وهدوء وحكمة، وينتقد رأي من يخالفه بنفس الأخلاق الراقية التي نشأنا عليها سواء كنا مسلمين او مسيحيين أو لا دينيين. منهجية الإنسان الراقي إذاً هي التي تجنبه أن يكون فظاً غليظ القلب فينجذب إليه من لا يشاطره الرأي والفكر والمنهج. ومنهجيته تلزمه أيضاً بأن يكون صادقاً في التعبير عن رأيه بكل وضوح وثقة معتقداً بأن رأيه صحيح ولكنه ربما يحتمل أن يكون خاطئاً، وبنفس الوقت يعتبر الرأي والموقف الذي يبديه الآخر الذي يخالفه بأنه على خطأ مع اعتقاده بأن رأيه ربما يكون صواباً. 

 

من منهجية الإنسان الراقي أيضاً أن يسعى بكل ما أعطي من قدرة وعزيمة على تمكين الآخر من إبداء رأيه المخالف دون خوف أو وجل، وعلى أن يبادله الآخر بتمكينه بنفس ما أوتي من قدرة وعزيمة على إبداء رأيه وموقفه بكل أمان وسكينة. 
منهجية الإنسان الأرقى هي التي تجعله يفرق في خطابه وحواره ومعاملته مع الآخر بين ما هو "أحسن" وبين ما هو "سيّء" لا بالمعنى المتعارف عليه بين اللغويين عند تعريفهم لكلمة "السيّء" بما هو شنيع ومضرّ وإنما حينما يتواجد "الحسن" في مقابل "الأحسن"، فينقلب حينها "الحسن" ليتحول الى "سيء،" وبذلك يحرص الإنسان الراقي على أن يستبدل قوله وخطابه وحواره مع الآخر وينقله من الأسلوب الحسن كلما وجد ما هو "أحسن" وأفضل وأرقى، مما يؤدي الى تخفيف الإحتقان الذي بينه وبين الآخر من خلاف مستحكم فيصبح ربما الذي يخالفه الرأي كأنه "ولي حميم". تبنى الأوطان على هذه القواعد المنهجية الراقية وتفنى وتهدم على ما يخالفها.

 

في مطل آخر ولكي نشير إلى موضع الخلل في مجتمعنا اللبناني، أعرّج على ما نسمعه عن ضحايا الحرائق التي تلتهم مساحات شاسعة من المزروعات والغابات والأبنية في العالم. ولمقاومتها واجتنابها تهتم الدول المتقدمة بتوزيع الإرشادات وطرق مقاومة الحرائق، بل وتفرض مخالفات باهظة على الأفراد والمؤسسات التي لا تتبع هذه الإرشادات الوقائية. ضحايا الحرائق لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جدا مقارنة بضحايا العنف الكلامي وخطابات الكراهية والأحقاد. ومع ذلك لا يوجد أي اهتمام يذكر من قبل الدولة أو الأسر أو المدارس أو المعاهد الحوزية والدينية والجامعية للتحدث عن إرشادات مقاومة خطابات الكراهية.

 

يضاف إلى هذه القائمة من المواد الدراسية القابلة "للإشتعال" أن بعض النصوص الدينية إن أخطأ فهمها وتأويلها قد تكون مجرحة ومهينة بحق دين معين وقابلة لإثارة الفتن، فتربية الناشئة في المنازل والمدارس والجامعات والحوزات تحتاج الى تنبيه وحنكة وحسن اختيار وتدبر. فيتعين وضع هذه النصوص الدينية المثيرة للجدل والأحقاد في سياقها التاريخي، فكثير من هذه النصوص كتبت في أزمنة الفتن والحروب وتكاد تسمع بين أسطرها خفق الرايات ودق الطبول وتناثر غبار ورمال أحصنة المقاتلين وبريق سيوفهم. فهذه النصوص كانت قد كتبت في زمان تسيطر عليه عادات وتقاليد في السياسة وسيادة الدولة والتوسع والإستعمار والفتوحات، تختلف عن زماننا الذي أصبحت لدينا قوانين ومنظمات ومحاكم دولية وحقوق إنسان.

 

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: وماذا لو قمنا بتدريس مادة " منهجية إطفاء الحرائق الدينية وخطابات الحقد والكراهية"، طبعاً ليس بهذه التسمية التبسيطية ولكن بما يعنيه مضمونها من تحديد وتحييد المواد القابلة للإشتعال وضرورة وضعها في أماكن بعيدة عن متناول الناس الذين ليس لديهم خبرة بها، ومن دراسة آلية الوقاية من نشوء الأزمات.

 

ما أقوله عن هذه المواد القابلة للإشتعال أقوله أيضاً عن الأشخاص الذين ينخرطون للدراسة في هذه المعاهد الدينية اللاهوتية والشرعية والحوزية من ضرورة التنبه لاختيارهم وذلك بإخضاعهم إلى تحليل نفسي كشرط لقبولهم في الدراسة. في خبر تداولته وسائل الأعلام الفرنسية في العام 2019 اكتشفت الشرطة أن مشعلي النار في منطقة Meuse هم ثلاثة رجال إطفاء. وكذلك الأمر فإن بعض مشعلي الفتن الداخلية أو الدينية هم من رجال الدين، والأمثلة كثيرة جداً في جميع الديانات ويكفي أن نذكر ما قام به الحاخام مائير كاهانا مؤسس حركة كاخ الإرهابية ومسؤوليته في مجزرة الحرم الإبراهيمي، ومؤخراً حملة الكاهن البوذي ويراثو ضد مسلمي بورما.

 

حتى من بين المجموعات الّذين أتمّوا دراستهم في المعاهد الدّينيّة أو تخصصوا في الحوار الدّينيّ، فإنه يلاحظ على بعضهم تخليهم عمّا تعلّموه من مبادئ دينية سمحة وسامية تحرص على إشاعة السلام والطمأنينة وعادوا إلى تبني آراء وأفكار إقصائية وآحادية مناقضة للتبعية الجماعية التي يتبناها أبناء وطنهم. من ضمن أسباب هذه التبعية الآحادية وما يتبعها من خطابات سلبية أنّ الّذين يعيشون منهم في بيئة غير مختلطة، أو ينتمون إلى أحزاب وحركات دينيّة، سرعان ما تتهاوى لديهم حين العودة الى بيئتهم كلّ النّتائج الإيجابيّة المفترض أن تكون لهم سندًا ومرجعًا ومنهجًا في حياتهم العمليّة. هذه النّتائج المخيّبة للآمال لهذه الفئة من خرّيجي المعاهد الدينية، تنطبق عليهم ما بات يُعرف بمنهجية القطيع.

 

القلم يكون في كثير من الأحيان أشد فتكاً من الرصاصة، ومن تنطلق عباراته للشتم وإشاعة الكراهية والحقد والتخوين تنطبق عليه شخصية القاتل المأجور أو المتطوع، هؤلاء المتزلفون المأجورون والمتطوعون، مهما سوّلت لهم أنفسهم من مبررات ينطبق عليهم ما سبق ذكره عن ميول المجرمين القتلة من حيث أن لديهم درجة عالية من الإحباط والرغبة في الإنتقام، إضافة الى العديد من حالات الفشل والإذلال طيلة حياتهم السابقة، مع ما تجمّع لديهم من خيبات أمل قديمة أنتجت لديهم شعوراً بالإحباط المرتفع بما يكفي للتسبب في دفعهم للكتابة ونشر المقالات والإفتراءات. إزاء هؤلاء القتلة المأجورين والمتطوعين مهما كانوا من فئات شعبية وحزبية ودينية هم مسؤولون جنائياً ويجب محاسبتهم وردعهم بأقصى ما تكون العقوبات. 

 

لن تقوم لنا قائمة في بلد متعدد الطوائف والثقافات إذا لم نبادر الى زرع روح المحبة وقبول الآخر وحسن مخاطبة الرأي المخالف أو المختلف، بل وهنا بيت القصيد معاقبة المفترين والساعين بخطاباتهم وكلامهم وكتاباتهم لتقويض أسس العيش المشترك فهؤلاء هم قتلة محتملون مهما تذرعوا بحجج واهية ولو ألبسوها رداء دينياً وعقائدياً مزعوماً.  

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 11:34:00 PM
انقطاع الاتصال بالصحافية آمال خليل بعد غارة على الطيري، فيما نُقلت زينب فرج إلى المستشفى وتستمر عمليات البحث رغم تجدد الاستهداف.
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري