كيف يتحول القرب الجغرافي في لبنان من فرصة للاندماج الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام؟

آراء 21-04-2026 | 04:35

كيف يتحول القرب الجغرافي في لبنان من فرصة للاندماج الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام؟

 لا يكون الخروج من مأزق الانقسام في لبنان رهناً بتقليص المسافات، فهي أصلاً قصيرة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين هذه المسافات وبنية السلطة والمعنى داخل المجتمع. عندها فقط يمكن القرب الجغرافي أن يستعيد وظيفته الأصلية.
كيف يتحول القرب الجغرافي في لبنان من فرصة للاندماج الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام؟
بيروت وامتداداها الجنوبي
Smaller Bigger

* نزيه الخياط

 

لا تمكن قراءة الحالة اللبنانية بوصفها مجرد تعبير عن تعددية سياسية أو طائفية، بل بوصفها بنية اجتماعية تتشكل داخل فضاءٍ مكاني شديد القرب، من دون أن يفضي ذلك إلى إنتاج اندماج اجتماعي فعلي. هذه المفارقة تفرض العودة إلى مقاربات نظرية تتجاوز التحليل السياسي التقليدي، وتحديداً إلى أعمال تورستن هاغرستراند "Torsten Hägerstrand"، الذي يُعدّ أحد أبرز مؤسسي ما تُعرف بـ"الجغرافيا الزمنية" "géographie du temps" في ستينات القرن العشرين وسبعيناته.

ينطلق هاغرستراند من فرضيةٍ مركزية مفادها أن الإنسان لا يتحرك داخل المكان ككائن حر ومطلق، بل ضمن شبكة من القيود الزمنية والمكانية والاجتماعية التي تحدد إمكان الحركة والتفاعل. فالمسافة، في منظوره، ليست مجرد بُعدٍ هندسي، بل عنصر فاعل في تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها، بحيث تتداخل الجغرافيا مع الزمن لتحديد من يمكن أن يلتقي من، ومتى، وتحت أي شروط؟ ومن هنا، تكتسب المسافة الاجتماعية وزناً موازياً للمسافة الجغرافية، بل قد تتفوق عليها تأثيراً، بحيث يصبح القرب المكاني غير كافٍ لإنتاج أي علاقة اجتماعية ذات معنى.

ضمن هذا الإطار، لا يعود لبنان مجرد حالة سياسية معقدة، بل يتحول إلى اختبار حيّ لحدود هذه النظرية، إذ يتقاطع القرب المكاني الشديد مع تباعد اجتماعي بنيوي، في مفارقة تكاد أن تقوّض الفرضيات التقليدية حول العلاقة بين الجغرافيا والاجتماع.

 الجغرافيا الزمنية وقيود التفاعل: عندما يصبح اللقاء نفسه إشكالية

إذا كانت الجغرافيا الزمنية عند هاغرستراند تقوم على تحليل القيود التي تضبط حركة الأفراد داخل الزمن والمكان، فإن هذه القيود لا تقتصر على البعد الفيزيائي فحسب، بل تمتد لتشمل شروط التلاقي الاجتماعي نفسه. فالأفراد لا يتحركون ضمن مسارات زمنية-مكانية محدودة فحسب، بل ضمن أطرٍ اجتماعية تحدد من يمكن أن يلتقوه، ومتى، وتحت أي شروط، وهو ما يجعل من اللقاء حدثاً مشروطاً لا تلقائياً.

في الحالة اللبنانية، لا تبدو المشكلة في ضيق المجال المكاني أو محدودية الحركة، بل في تضييق إمكان التفاعل داخل هذا المجال نفسه. فالمسارات اليومية للأفراد—في العمل والتعليم والخدمات—تتقاطع مكانياً بشكل كثيف، لكن من دون أن تتحول هذه التقاطعات إلى نقاط تفاعل فعلي، بسبب تأثيرات  البيئة الأُسْرية  والقيود الاجتماعية والطائفية والسياسية التي تعيد تنظيم إمكان اللقاء. وهكذا، يتحول "مجال الإمكان" الذي يفترض أن يفتح المجال للتفاعل، إلى إطار محدود الفاعلية، بحيث تُفرغ كثافة الحضور المكاني من مضمونها الاجتماعي.

بهذا المعنى، لا يعاني لبنان من نقصٍ في فرص التلاقي، بل من فائضٍ في القيود التي تضبط هذا التلاقي وتعيد تعريف حدوده، وهو ما يجعل من الجغرافيا الزمنية أداة كاشفة، ليس فقط لحدود الحركة، بل لحدود الاجتماع نفسه.

  هاغرستراند: الجغرافيا كقيد زمني-اجتماعي وليس كمساحة محايدة

لا ينظر هاغرستراند إلى الجغرافيا بوصفها فضاءً مفتوحاً، بل كشبكة من القيود التي تضبط إمكان الحركة والتفاعل. فالفرد لا يتحرك فقط في المكان، بل داخل "مسار زمن-مكاني" يحدد مجال علاقاته الممكنة، ويقيد فرص اللقاء والتواصل. بهذا المعنى، لا تكون الجغرافيا مجرد إطار، بل شرط تأسيسي لإنتاج الاجتماع.

غير أن هذا التصور، رغم قوته التفسيرية، يفترض ضمناً أن القرب الجغرافي يعزز احتمالات التفاعل، وأن تكرار اللقاءات داخل فضاء محدود قد يفضي، ولو تدريجاً، إلى تقليص المسافة الاجتماعية أو جعلها قابلة للتفاوض. وهذه الفرضية تحديداً هي ما تستدعي الاختبار عند نقلها إلى الحالة اللبنانية.

  عندما يتحول القرب إلى احتكاك: حدود الفرضية الهاغرستراندية في لبنان

يفترض التصور الهاغرستراندي أن القرب الجغرافي يرفع من احتمالات التفاعل، غير أن الحالة اللبنانية تكشف أن هذا الاحتمال لا يتحقق بالضرورة في اتجاه الاندماج، بل قد ينقلب إلى نقيضه. فالمسافات القصيرة التي كان يُفترض أن تنتج تداخلاً اجتماعياً، تحولت، في ظل شروط سياسية وثقافية محددة، إلى مساحات احتكاك دائم، حيث لا يؤدي اللقاء إلى التقارب بل إلى إعادة تأكيد الاختلاف.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن بنية السلطة نفسها، إذ لم تُبنَ الدولة اللبنانية على قاعدة المواطنة كإطار جامع، بل على نظام تمثيل يعيد إنتاج الانقسام ويستثمر فيه. وهنا يصبح القرب الجغرافي مادة خاماً لعملية تعبئة مستمرة، إذ يُعاد تأويل الاختلافات الدينية أو الثقافية أو الطبقية بوصفها حدوداً صلبة، لا نقاط تفاعل. وبهذا المعنى، لا تعكس المسافة الاجتماعية في لبنان مجرد تباعد بين جماعات، بل نتيجة عملية نشطة من إعادة الفرز والتحشيد داخل فضاء كان تاريخياً أكثر تداخلاً وانفتاحاً.

  المسافة الاجتماعية كأداة سياسية لإعادة تشكيل الجغرافيا

في هذا المستوى، لا تعود المسافة الاجتماعية مجرد نتيجة، بل تتحول إلى أداة. فالطائفية لا تعمل فقط كنظام تمثيل، بل كبنية تنظيم دقيقة للمسافة نفسها، تحدد من هو القريب ومن هو البعيد، بصرف النظر عن الجغرافيا الفعلية. وهكذا، يُعاد رسم الفضاء الاجتماعي داخل المجال المكاني نفسه ، بحيث تتجاور الجماعات من دون أن تتداخل، وتلتقي من دون أن تتفاعل.

هذا الفصل بين الجغرافي والاجتماعي لا يحدث تلقائياً، بل يُنتج ويُعاد إنتاجه عبر خطاب سياسي ومؤسساتي يقوم على إدارة الانقسام بدل تجاوزه. وهنا تحديداً، تتحول الجغرافيا من عامل محتمل للاندماج إلى مجرد مسرح لإعادة تمثيل الانقسام.

  لبنان: الجغرافيا كمساحة توازٍ لا تفاعل

ضمن هذا السياق، يظهر لبنان كفضاء تتعدد فيه الخرائط: خريطة المكان، وخريطة الانتماء، وخريطة الولاء، من دون أن تتطابق. فالقرى المتجاورة والأحياء المتلاصقة لا تُنتج بالضرورة مجتمعاً مشتركاً، بل غالباً ما تعكس وجود مجتمعات متوازية تعيش داخل الإطار المكاني نفسه من دون أن تشكل نسيجاً اجتماعياً موحداً.

بهذا المعنى، لا يكون الانقسام نتيجة البعد، بل نتيجة فشل القرب في أن يتحول إلى تفاعل. وهي مفارقة تجعل من لبنان ليس استثناءً عن النظرية، بل حالة تكشف حدودها، وتظهر أن العلاقة بين المسافة الجغرافية والمسافة الاجتماعية ليست علاقة خطية، بل علاقة مشروطة ببنية السلطة وأنماط إنتاج المعنى داخل المجتمع.

  الضاحية الجنوبية لبيروت: عندما يتكثف القرب وتتعطل إمكانات التفاعل

تمكن ملاحظة هذه المفارقة بشكل مكثّف في العلاقة بين بيروت وضاحيتها الجنوبية، إذ يتجاور فضاءان متلاصقان جغرافياً إلى حدّ التداخل، من دون أن يفضي ذلك إلى اندماج اجتماعي متوازن. فالوجود الشيعي في بيروت ليس طارئاً، بل يمتد تاريخياً، غير أن التحولات الديموغرافية التي تسارعت خلال العقود الماضية، ولا سيما منها الهجرة من الجنوب نحو العاصمة وضاحيتها، أعادت تشكيل هذا الحضور ضمن شروط اجتماعية وسياسية جديدة.

ورغم هذا القرب المكاني الشديد، بقيت أنماط التفاعل بين الضاحية ومحيطها البيروتي محكومة بقيود غير مرئية، تتصل بالبنية السياسية، والتمثلات المتبادلة، وآليات التعبئة الجماعية. ففي فترات التوتر الأمني، برزت ممارسات في الفضاء العام ذات طابع هويّاتي حاد، ساهمت في رفع منسوب التوتر وتعميق الإحساس بالمسافة الاجتماعية المتباعدة ، حتى في ظل غياب أي بعد جغرافي فعلي.

بهذا المعنى، يمكن قراءة هذه الحالة ضمن ما يسميها هاغرستراند قيود "التلاقي"، إذ لا تكمن المشكلة في القدرة على الحركة أو الوصول، بل في محدودية تحوّل اللقاء إلى تفاعل اجتماعي فعلي. فالتقاطعات اليومية في العمل والتعليم والخدمات لا تُنتج بالضرورة تداخلاً اجتماعياً، بل قد تبقى محكومة بسقوفٍ غير مرئية تحدد طبيعة العلاقة وحدودها.

ولا يمكن فهم هذه الدينامية بمعزل عن تداخل عوامل متعددة، بينها الإرث الاجتماعي، والتحولات السياسية، وأنماط التنظيم الجماعي، وهي عوامل ساهمت مجتمعة في تكوين بيئات متجاورة مكانياً، لكنها متباعدة في أنماط التفاعل والإدراك المتبادل. وهنا تتجسد إشكالية لبنان بوضوح: ليس في غياب القرب، بل في عجز هذا القرب عن التحول إلى فضاء تفاعل مستقر.

 من الجغرافيا إلى السياسة - شروط إعادة إنتاج الاجتماع اللبناني  

إن قراءة الحالة اللبنانية عبر هاغرستراند لا تقود إلى نفي نظريته، بل إلى تعميقها، إذ تكشف أن القرب الجغرافي، في غياب إطارٍ سياسي جامع، قد لا ينتج اندماجاً، بل قد يتحول إلى آلية لتكثيف الانقسام. ومن هنا، لا تعود إشكالية لبنان في تعدديته بحد ذاتها، بل في عجز هذه التعددية عن التحول إلى اجتماع، نتيجة بنية سياسية تعيد باستمرار إنتاج المسافة الاجتماعية داخل أقصر المسافات الجغرافية.

غير أن هذا التشخيص لا يستقيم من دون طرح سؤال الخروج من هذه البنية المغلقة. فإذا كان القرب المكاني في لبنان واقعاً لا يمكن تجاوزه، فإن تحويله إلى مجال تفاعل إيجابي يفترض الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنتاج الاجتماع، وهو انتقال لا يمكن أن يتم إلا عبر إعادة صوغ عقد اجتماعي جامع يعيد تعريف السلطة ووظيفتها. فالمسألة ليست تقنية أو إدارية، بل تتعلق بإعادة توجيه المجال الاجتماعي نفسه، بحيث يصبح القرب الجغرافي رافعةً للتلاقي لا مادة للاحتكاك.

كان لمناهج التعليم الديني تأثير عميق في إعادة إنتاج المسافة الاجتماعية ، وضمن هذا الأفق، يبرز البعد التربوي كأحد المفاصل الحاسمة في إعادة تشكيل المسافة الاجتماعية. إذ لا يمكن تصور اندماج اجتماعي مستدام في ظل أنماط تعليم تعيد إنتاج الانغلاق الرمزي أو تعزز الانتماءات الضيقة على حساب البعد الإنساني المشترك. ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة توجيه مناهج التعليم الديني بحيث تنطلق من إبراز الأبعاد الإنسانية والتضامنية للأديان، بدل حصرها في مقاربات فقهية مغلقة، على أن يتم ذلك ضمن إطار إشراف مؤسساتي عام يضمن انسجام العملية التربوية مع متطلبات المجال الوطني المشترك، من دون أن يتحول مبدأ حرية المعتقد إلى مدخل لإعادة إنتاج الانقسام أو تبرير التعبئة الطائفية.

بالتوازي، لا يمكن اختزال مشروع الحداثة التربوية في تحديث العلوم التطبيقية أو التقنية، بل يفترض تعزيز موقع العلوم الإنسانية بوصفها الحقل الذي يُنتج أدوات التفكير النقدي، ويؤسس لمنطق مساءلة السلطة وتقييم أدائها وتداول السلطة بانتظام. فهذه العلوم، بما تحمله من قدرة على تحليل المعنى وبناء الوعي، تشكل شرطاً ضرورياً لانتقال المجتمع من مجرد التعايش القلق إلى التفاعل الواعي، ومن الانقسام المُدار إلى الاجتماع المُنتج.

 مع الانتقال من توازنٍ نسبي إلى إخلالٍ بنيوي فيه، أعادت إيران تشكيل المسافة الاجتماعية مع محيطها الخليجي، ولا تقتصر هذه الديناميات على الحالة اللبنانية وحدها، بل يمكن رصد أنماط مشابهة على مستوى إقليمي أوسع، خصوصاً في العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. فرغم القرب الجغرافي والتشابكات التاريخية والبشرية —بما في ذلك وجود فئات من أصول إيرانية اندمجت تاريخياً داخل مجتمعات الخليج— فإن التحولات السياسية التي أعقبت الثورة الإيرانية 1979، وما رافقها من إعادة تعريفٍ للهوية والدور الإقليمي، ساهمت في إعادة تشكيل المسافة الاجتماعية بين هذه المجتمعات.
بناءً عليه، لا يعود التباعد انعكاساً لاعتبارات جغرافية، بل نتيجة ديناميات سياسية وثقافية أعادت تنظيم أنماط التفاعل وحدوده. وهو ما يؤكد، في ضوء مقاربة هاغرستراند، أن القرب المكاني لا يفضي تلقائياً إلى تقارب اجتماعي، بل يظل مشروطاً ببنية السلطة وأنماط إنتاج المعنى داخل المجالين الوطني والإقليمي.

وبهذا المعنى، لا يكون الخروج من مأزق الانقسام في لبنان رهناً بتقليص المسافات، فهي أصلاً قصيرة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين هذه المسافات وبنية السلطة والمعنى داخل المجتمع. عندها فقط يمكن القرب الجغرافي أن يستعيد وظيفته الأصلية: ليس كمعطى مكانياً، بل كشرطٍ لإمكان قيام اجتماع حديث، متعدّد، ومؤنسن يتفاعل إيجاباً ويقلص المسافة الاجتماعية مع محيطه.

*أكاديمي - باحث في الشؤون الجيوسياسية