هل ينجح لبنان باستعادة سيادته كاملة على أرضه وكيف؟

آراء 18-04-2026 | 12:04

هل ينجح لبنان باستعادة سيادته كاملة على أرضه وكيف؟

 عندها يكون الانتصار على الموت وعلى الانتحار، انتصار للحياة وهي هبة من الله علينا الحفاظ عليها وحمايتها.
هل ينجح لبنان باستعادة سيادته كاملة على أرضه وكيف؟
غارات على جنوب لبنان (أ ف ب)
Smaller Bigger
الدكتورة فاديا كيوان
الجميع مرتاحون وقلقون في آن واحد. ولا شك في أن خطوة لبنان الأخيرة هي خطوة تاريخية ومفصلية. فهل تفتح على اللبنانيين أبواب الاستقرار والامان والتعافي ومن ثم عودة الازدهار؟ أم أنها ستفتح عليهم أبواب جهنم؟

لقد حققت تلك الخطوة من دون شك نقلةً نوعية في تعاطي لبنان الرسمي مع مسألة السيادة الوطنية إزاء الخارج. ولا شك في أن عودة الدولة الى اتخاذ المبادرة في هذا المجال أمر جيد ومحترم. وانطلاق اتصالاتٍ مباشرة مع العدو هي في ذاتها في قمة الشجاعة ولكن... لكن مسار التفاوض مع العدو الاسرائيلي لن يكون "شربة مي"، وهذا المسار مرتبط في مجرياته بمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهةٍ أخرى، وإن انطلق لبنان بمفاوضاتٍ مستقلة. فإيران تستعمل "حزب الله" كورقةٍ من أوراقها، والأميركيون يطلبون منها وكذلك اسرائيل، أن تتخلى عن "حزب الله". والتخلي هنا يعني وقف مدّه بالسلاح والذخيرة والمال، وهو ما فعلته مدى أربعة عقودٍ ونيف... وإيران تطالب بثمنٍ لذلك. وهذا أمر طبيعي. ومن المستبعد أن تتخلى إيران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم من أجل المحافظة على "حزب الله" بل العكس هو الصحيح.

على خطٍ آخر، تمددت اسرائيل في احتلالها في الجنوب ودمّرت تدميراً شبه كاملٍ قرى وبلدات جنوبية عدة، مما جعل عودة الاهالي اليها شبه مستحيلة على المدى القريب. لكن العدو الاسرائيلي لم يحصل على أمن مستوطناته الشمالية وأمانها وانزلق الى رمال الاحتلال وبالتالي حرب استنزافٍ قد تطيح حكومة نتنياهو داخلياً. 

في المقابل ، برهن الجنوبيون عن التصميم والشجاعة في التمسك بأرضهم. وقد تشبث البعض بالبقاء في قريته ومنزله واستبسل البعض الآخر في الدفاع عن قريته وبلدته حتى الاستشهاد. وهرع النازحون قسراً الى العودة عند مجرد إعلان وقفٍ موقت للنار.
لا يمكن العدو الاسرائيلي أن يضمن الامان لشعبه ولا يمكنه أن يضمن الأمان لجنوده في حال استمر في احتلال قرى وبلداتٍ لبنانية. فبالطبع ستستشرس المقاومة، حتى من دون تمويلٍ ودعم ايرانيين. 

الجميع في مأزق، لكن هناك نوافذ على الحل، أي ع سيناريوات عدة:

السيناريو الأول وهو جزء من الحلم-ويمكن أن يتحقق- هو اتخاذ "حزب الله" قراراً بالوقوف وراء الدولة وليس أمامها في الدفاع عن الارض والسيادة ووحدة التراب اللبناني. وأن يتخذ الجيش اللبناني المواقع الامامية من دون أن يشعر أن هناك من سيطعنه في ظهره عملاً بأجنداتٍ خارجية. ومن بين العوامل التي قد تدفع "حزب الله" الى ذلك فقدان السند الأخير عبر تخلي إيران عنه بعد أن فقد السند ما قبل الأخير مع انهيار النظام السوري السابق.

في المقابل، تتخذ الدولة إجراءاتٍ لحماية أفراد "حزب الله" وسائر قياداته. ويسلم الحزب سلاحه الثقيل وذخيرته الى الجيش اللبناني. 

تلتزم الدولة أعتماد خطةٍ لأعادة إعمار البيوت والقرى والبنى التحتية المدمرة عبر خطةٍ مدعومة بمساعداتٍ دولية متعددة المصادر، وليس عبر فرض الضرائب والرسوم مجدداً على من يدفعها من اللبنانيين.  فـ"حزب الله" قد استدرج العدو الى الحرب وترك على الدولة اللبنانية إعادة الأعمار . لكن لا بأس، فالجنوبيون جزء عزيز من الشعب اللبناني وهم دفعوا، بعد أن غُرّر ببعضهم، ثمناً باهظاً للتهور وأو للعمل ضمن أجنداتٍ خارجية. وذاكرتنا تعود بنا الى تجربة أفرقاءٍ لبنانيين آخرين تهوروا ومن ثم دفعوا الثمن ودفع جمهورهم وطوائفهم الثمن.

السيناريو الثاني هو تعنّت "حزب الله" بالمحافظة على سلاحه، فينفصل عنه حليفه التاريخي ويدخل وحده في مسار التعاون مع الدولة لبسط سيادتها وضمان وحدة التراب اللبناني. وهذا السيناريو خطير وهو قد يقود الى احتكاكاتٍ بين الفصيلين وسيعاود المواطنون، ولا سيما منهم ضمن جمهور الثنائي الى دفع الثمن. ولن يحصل لبنان ، مع تصدّع السلم الداخلي على انسحابٍ اسرائيلي كامل، بل ستراهن اسرائيل على الخلافات الداخلية للبقاء في المناطق التي احتلتها.

السيناريو الثالث هو في أن يطلب الثنائي مفاوضاتٍ داخلية لأعادة النظر في تركيبة السلطة في لبنان. وهذا يعني بصورةٍ رئيسية إعادة النظر في اتفاق الطائف. هل هذا ممكن؟ وما مدى جهوزية المكونات اللبنانية الأخرى للتفاوض وإعادة النظر في التوازن الذي رسمه اتفاق الطائف؟

في رأينا، عاش اللبناني منذ أكثر من خمسة عقود مثل سيزيف Sysiphe, بطل أحد كتب الكاتب والمفكر الفرنسي البير كامو، Albert Camus. 

أسطورة سيزيف وهي مستوحاة من الميتولوجيا اليونانية, ترسم صورة سيزيف وهو يرفع بجهدٍ وتعب صخرةً كبيرة الى أن يصل بها الى قمة جبل ومن ثم يعود ويقذفها من علٍ لتتدحرج من جديد… هي صورة قومٍ لا يعرفون الراحة بل باتوا يتلذذون بالشقاء ويبحثون عنه، ويسعون للبقاء في المستنقع.

 في كتاب ألبير كامو، يوحي البطل القدرة على المثابرة والصمود، ولكن يوحي واقع الاسطورة  أن عليه لعنةً من الآلهة ليعيش في دوامةٍ أبدية من الشقاء. فهل أن اللبنانيين سيكسرون هذه الحلقة المفرغة؟

ما يطمئنني هو أن الاجيال الجديدة تحب الحياة أكثر من الموت، وهي لن تبقى أسيرة الماضي وإرث الحروب والثأر والانتقام. على الدولة أن تعرف كيف تعزز هذه النزعة وتدعمها الى حب الجياة وحب التقدم والسعي للأمان والتوق الى الأزدهار. على الدولة أن تعرف كيف تعزز شعور الأجيال الجديدة بالانتماء الى لبنانٍ واحد، جميع أهله يعيشون بكرامةٍ وأمان  ويُمنحون الفرص للتقدم والتميز وكل مناطق لبنان تنعم بالازدهار.

لكن ما هو مطلوب من الدولة الآن هو التروي والمرونة في التعامل مع كل الأفرقاء، لمساعدة الجميع في العودة الى الصحوة الوطنية وهي نافذة الخلاص الوحيدة امام دولة لبنان الكبير. والفخ الكبير يكمن في التلميح الى تصدّع السلم الأهلي الداخلي كلما سعت الدولة الى استعادة الأرض والسيادة الوطنية وإنهاء الاحتلال. والعدو الإسرائيلي يراهن على ذلك للبقاء في بعضٍ من أرضنا وجعل بعضٍ آخر منها أرضاً محروقة.

المعادلة واضحة. … فهل نحن عملاء لأسرائيل يا جماعة؟!
نحن نتصور أن مسار المفاوضات سيعالج بصورةٍ رئيسية موضوع الأمن وانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها حتى ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ خلال حرب إسناد غزة- أي التلال الخمسة- والأراضي التي احتلتها في حرب إسناد إيران في آذار ٢٠٢٦. وهو أمر واقع مؤلم مع أن البعض للأسف، يتحدث عن الانتصار. 

والإطار موجود وهو اتفاق الهدنة الذي أبرم عام ١٩٤٩ برعاية الأمم المتحدة. أما أي سلامٍ أو تطبيعٍ فللبنان مصلحة في أن يبقى تحت مظلةٍ عربية واسعة ما زالت المملكة العربية السعودية متمسكةً بها، وهي الاطار الذي صدر عن القمة العربية لعام ٢٠٠٢ والتي عقدت في بيروت، وهي حددت شروط التسوية العادلة والشاملة والدائمة للصراع العربي- الاسرائيلي.

فهل يعتبر مما جرى هؤلاء الذين دخلوا وأدخلوا لبنان مرة أخرى في التجربة؟
سيحفظ التاريخ كل المواقف، ولا سيما منها تلك المواقف الشجاعة التي نساهم من خلالها في إنقاذ لبنان الكبير بدلاً من أن نأخذه رهينةً للحصول على مكاسب. عندها يكون الانتصار على الموت وعلى الانتحار، إنتصار للحياة وهي هبة من الله علينا الحفاظ عليها وحمايتها.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.