التطرف أضعف روسيا وهمّش أميركا ودمَّر بلداناً أخرى
حميد الكفائي*
سياسيون كثر يميلون إلى التطرف من أجل تمرير أجنداتهم السياسية الضيقة والوصول إلى السلطة، وكثيرون منهم توهموا بعد تسلمهم السلطة بأنهم قادرون على تحقيق طموحاتهم الطوباوية، وأنهم بلغوا القوة والمنعة التي تحصنهم من الأخطار المحتملة، إما بسبب قوة بلدانهم وتقدمها، أو بتماسك أنظمتهم السياسية، وأميركا ترامب وروسيا بوتين خير مثالين في هذا الصدد.
ولم يقتصر التطرف والعنجهية على قادة الدول القوية، بل هناك من توهم بين قادة دول متواضعة القدرات، كليبيا القذافي وعراق صدام حسين وإيران الخميني وخامنئي، ومصر عبد الناصر، وأخيرا إسرائيل نتنياهو، بأن بإمكانهم التمدد خارج الحدود لتوسيع النفوذ والهيمنة، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل المريع وعادت بالكوارث على البلدان المذكورة.
فلاديمير بوتين مثلا، لا يزال يحلم بإنشاء امبراطورية روسية عملاقة، ويتوهم بأن روسيا دولة عظمى قادرة على احتلال دول أخرى وضمها إلى فلكها، فأقدم على غزو أوكرانيا لأنها سعت لممارسة استقلالها وتوجهت نحو العالم الغربي، بدلا من البقاء في قوقعة الاتحاد السوفياتي والهيمنة الروسية.
ومنذ فبراير 2022، وحتى الآن، لم يستطع بوتين أن يضم أوكرانيا أو يقنع قادتها أو شعبها بالتنازل حتى عن شبه جزيرة القرم، التي احتلها عام 2014، بينما ضحى بنصف مليون جندي روسي ومليون جريح حتى الآن، بالإضافة إلى الخسائر المادية الهائلة والعزلة الدولية.
روسيا ذات الموارد الطبيعية الوفيرة والمساحة الشاسعة، فهي أكبر دولة في العالم، ليست بحاجة إلى المزيد من الأراضي ولا إلى الموارد، وكان بإمكانها أن تكون دولة مؤثرة عالميا، لولا التفكير الإمبراطوري المنفصل عن الواقع لحاكمها، الذي دمر الديموقراطية الروسية، بتحويله الانتخابات إلى تمثيلية، فهو يحكم منفردا منذ عام 1999، عندما عيَّنه بوريس يلتسين رئيسا للوزراء، فمرة يحكم رئيسا، وأخرى رئيسا للوزراء.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو الآخر، توهم بأن بإمكانه أن يفعل ما يحلو له في العالم، وأن ينفذ الأوهام التي يؤمن بها، فبدأ عهده الثاني بالإعلان عن نيته ضم كندا وغرينلاند، وفرض تعرفات جمركية على كل دول العالم، خصوصا الحليفة للولايات المتحدة كبريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي، وأدخل أميركا في خلافات عميقة مع الصين، وكانت النتيجة أن حلفاء أميركا بدأوا يبتعدون عنها، وأولهم كندا وبريطانيا وأوروبا عموما.
شن حربا على إيران، متحالفا مع نتنياهو، ومتوهما بأنها ستنتهي خلال أيام، وعندما لم يتمكن من حسمها بسرعة، تذكر حلف الناتو، الذي سعى حثيثا لإضعافه، وأن لأميركا حلفاء، فطالبهم بالانضمام إلى حربه، لكنهم رفضوا، بما في ذلك بريطانيا، حليفة أميركا الأولى. من الواضح أن الولايات المتحدة لم تستعد لهذه الحرب ولم تكن لديها خطط مدروسة بشأن كيفية إنهائها، فلا يبدو أن لطاقم ترامب خبرة في شؤون الشرق الأوسط.
يعترف ترامب بأنه لم يتوقع أن النظام الإيراني يمكن أن يهاجم دول الخليج العربي أو يغلق مضيق هرمز! ولكنه ينسى أن هذا النظام اعتمد على العنف والمغامرات العسكرية والتدخل في شؤون الدول الأخرى منذ نشأته، فكيف لا يُتوقع منه أن يقدم على مغامرات، وخصوصا أن أحد أهداف الحرب هي إسقاطه؟
لا يمكن تقييم تصرفات قادة إيران على أسس عقلانية، فهؤلاء عادوا كل الدول الإقليمية والغربية، ورفعوا شعار "الموت لأميركا"، بملايينها الـ350، واعتدوا على حرمة البعثات الديبلوماسية في بلدهم، وحاربوا العراق لثماني سنوات، مضحّين بأكثر من مليون إيراني، ومليارات الدولارات، ومتسببين في قتل نصف مليون عراقي، في محاولة بائسة لإطاحة نظام صدام، ليس من أجل إيران أو العراق، وإنما لإقامة نظام شبيه بنظامهم.
لقد برهن النظام الإيراني على أنه لا يستطيع أن يتعايش ضمن العالم المعاصر، فقادته يحلمون بإقامة امبراطورية في العالم الإسلامي، وهذا الهدف واضح من خلال سياسات إيران خلال 47 عاما. لم يتغير النظام مطلقا منذ تأسيسه، بل ازداد شراسة، متشجعا بتجاهل العالم تجاوزاته، وتدخلاته في شؤون الدول الأخرى ورعايته الإرهاب.
إن التطرف السياسي ومساعي الهيمنة على الدول، تسببت في الإطاحة بأنظمة القذافي وصدام حسين وبشار الأسد، ولا شك أنها ستطيح النظام الإيراني أيضا، وخصوصا أن الشعب ساخط منه منذ ثلاثة عقود بسبب الأضرار الفادحة التي ألحقها بإيران، التي تحولت إلى دولة منبوذة إقليميا ودوليا. أما روسيا، فقد أضعفتها أحلام حاكمها الإمبراطورية، وألحقت بها خسائر بشرية واقتصادية هائلة، وعرضتها لعقوبات دولية، وأخرجتها من دائرة التعاون الأوروبي، وزعزعت ثقة دول العالم بها.
أما التطرف اليميني والشعور بالعظمة والتفكير الانعزالي للرئيس ترامب، واتِّباعه سياسات غير مدروسة، وتبنيه أفكارا توسعية، وتوهمه بأن أميركا قادرة على فعل كل شيء، وأن دول العالم تستغلها، وأن الحل هو في فرض تعرفات جمركية عليها، أو خطف رؤسائها، أو شن حروب عليها، وانسياقه وراء سياسات حكومة نتنياهو المتطرفة، قد تسببت في إضعاف قوة أميركا ودورها العالمي، وزعزعة ثقة أقرب حلفائها بها.
وفي المقابل، فإن السياسات العقلانية قد ساهمت في إثراء وتعزيز قدرات دول عديدة في العالم، والأمثلة كثيرة وشاخصة، وهذا هو الدرس السياسي الذي يجب أن يتعلمه السياسيون جميعا، وأولهم سياسيو العراق الذين ربطوا مصير بلدهم بدولة مغامِرة ومحاصَرة، وقمعوا الرأي المناهض لسياساتهم عبر القتل والخطف والتهجير، وجعلوا العراق غريبا عن محيطه الإقليمي. لا شك أن المستقبل للعقلانية والاعتدال، أما التشدد والطوباوية فسوف يطيحان الأنظمة التي تتبعهما، مهما توهم قادتها بعكس ذلك.
*كاتب عراقي
نبض