إيران: مظاهر الوهَن الاستراتيجي

آراء 17-04-2026 | 11:55

إيران: مظاهر الوهَن الاستراتيجي

إن تعقيدات صنع القرار في النظام الإيراني وسيطرة العقل الميليشيوي وتغييب عقل الدولة تزيد تأثير عوامل الوهَن الأخرى وتعمّق فعلها أكثر...
إيران: مظاهر الوهَن الاستراتيجي
من شوارع طهران (أ ف ب).
Smaller Bigger

*جواد الساعدي
*كاتب عراقي


عندما كانت إيران تتجنب الرد على اغتيال علمائها في الداخل وضباطها الكبار في سوريا، واستهداف مواقعها والمنشآت التي كانت تقيمها هناك، متذرعةً بـ"الصبر الاستراتيجي"، كنت أتساءل هل كان ذلك من مظاهر "الوهَن الاستراتيجي".

 

تقول مصادر متابعة "إن إيران تعرضت إلى 1650 هجومًا اسرائيليًّا خلال وجودها في سوريا، دون أن تتمكن من الرد". وعند اغتيال جنرالها قاسم سليماني في كانون الثاني/ يناير عام 2020 بدا مؤكَّدًا أنها غير قادرة على القيام بردٍّ حقيقي يتناسب مع مكانة الجنرال الفقيد. فعندما أعلنت أن 35 هدفًا أميركيًّا في مرمى نيرانها، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب 52 هدفًا إيرانيًا، بينها "أهداف ذات أهمية كبيرة للإيرانيين" كما قال، وهو اختار هذا العدد لأنه يساوي عدد رهائن أميركا في إيران عام 1979.

 

بعد ذلك ألقى عضو مجلس خبراء القيادة في إيران أحمد خاتمي بالعبء على "الحلفاء"، إذ أعلن اتخاذ قرارٍ بالرد على اغتيال سليماني، وأوضح طبيعة الرد بالقول: "إنَّ قاسم سليماني شهيدٌ دولي إسلامي، وإن العراق وسوريا واليمن وحزب الله اللبناني سينتقمون لمقتله"، لكنَّ الأيام مضت دون "انتقام"، وذلك حتى وقوع عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فزعم أحد قادة الحرس أنها جاءت ردًّا على مقتل سليماني، مما دفع "حماس" إلى نفي ذلك بوضوح، مؤكدةً أن العملية جاءت في سياقات فلسطينية خالصة، وأن أسباب العملية تعود إلى "الأخطار التي تهدد المسجد الأقصى، وإلى الاحتلال وعدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني ومقدساته". 

 

ولكنْ، لماذا انتهز الحرس الثوري الفرصة ليعلن ذلك، في حين أن وزير الخارجية الإيراني يومذاك، محمد جواد ظريف، أعلن بعد "قصف" قاعدتي عين الأسد وأربيل في العراق، الذي تلا اغتيال سليماني بخمسة أيام، أن ذلك "هو الرد النهائي"، وجاء إعلانه في أعقاب تغريدة للرئيس ترامب قال فيها: "كلُّ شيءٍ على ما يرام"؟ 

 

ذلك في رأيي لأن الحرس الثوري يعرف أكثر من غيره أن ما جرى كان "قصفًا ديبلوماسيًّا" متفقًا عليه لحفظ ماء الوجه، حيث أخبرَت إيران رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بموعد القصف ليُخبر به الأميركيين، كي لا تقع بين صفوفهم خسائرُ في الأرواح، لأن ذلك من شأنه أن يجبر الرئيس الأميركي على الرد، وقد أكّدَتْ حينها وسائلُ إعلامية "عن مصادرَ ديبلوماسيةٍ عراقية معلوماتٍ تفيد بأن الرد الإيراني كان منسّقًا مع الولايات المتحدة عبر دولة خليجية قامت بالوساطة، وأن العراق شارك في الحراك الديبلوماسي الذي أسفر عن توافق بين واشنطن وطهران وأفضى إلى ترتيبات عسكرية اتُّخذت من قبل الجانبين لضمان ألّا يؤدّي ذلك إلى سقوط قتلى"؛ وكان تأخُّر الرد خمسة أيام مؤشرًا قويًّا الى ذلك الحراك.

 

(بعد أربعة أعوام من النفي الإيراني المتكرر، كشف ظريف عن هذا التنسيق في كتابه "عمق الصبر" الصادر في آذار/مارس 2024، وشكا أن مجلس الأمن القومي الإيراني أخبر رئيس الوزراء العراقي قبل أن يخبر الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزارة الخارجية!).
على الرغم من ذلك، أعلنت إيران أن صواريخها قتلت أكثر من ثمانين أميركيًّا في القاعدة، وصدرت إحدى الصحف الموالية لها في لبنان، بعنوانٍ عريض، يعلن "بدء معركة التحرير الكبرى"، لكنَّ المعركة المزعومة انتهت عند قاعدتي عين الأسد وأربيل.
حينها، وفي إطار متابعاتي الاعتيادية، قرأت مقالًا على موقع أميركي يقول بأن الجنود الفنلنديين والليتوانيين في القاعدة تلقّوا معلومات مسبقة عن القصف، وكان لديهم الوقت الكافي لمغادرتها، دون أن يذكر المقال شيئًا عن الأميركيين؛ وبتجاهل العارف توجهتُ عبر البريد الألكتروني إلى دائرة العلاقات العامة في الجيش الفنلندي وسألتهم عن سبب عدم إبلاغهم الأميركان بالمعلومات حيث قُتل ثمانون منهم كما تقول إيران، فكان الرد بأنهم هم من تلقى المعلومات من الأميركيين وإن الادعاء بمقتل ثمانين أميركيًّا لا أساس له من الصحة.

 

هذا المشهد، الذي يسميه البعض "مسرحية" وينفي البعض الآخر عنه هذه التسمية، تكرّر خلال قصف قاعدة "العديد" في قطر في الثالث والعشرين من حزيران/يونيو العام الماضي، الذي جاء "ردًّا" على الهجوم الأميركي على ثلاث منشآت نووية إيرانية.
قبل ذلك، شهدنا "الصبر الاستراتيجي" لإيران عندما اغتيل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" اسماعيل هنية على أرضها في 31.07.2025، ولم ترد، الى ان اغتيل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في 27.09.2025، أي بعد نحو شهرين، فاعتبرَت الرد الذي جاء في 01.10.2025، أي بتأخيرٍ دام أربعة أيام، ردًّا على الاغتيالين. 
 وعند تدمير قنصليتها في دمشق في 01.04.2024 ومقتل عدد من كبار ضباطها ومسؤولين آخرين، شهدنا أيضًا كيف تأخر ردّها حتى منتصف الشهر، وكيف إنَّ ردها لم يكن رادعًا لإسرائيل، حيث قصف طيرانها بعد أقل من أسبوع مدينة أصفهان فاكتفت إيران بتقليل شأن الهجوم بوصفه "لعبة أطفال"، ولم ترد.

 

 بغض النظر عما قيل عن طبيعة الهجمات الإيرانية على اسرائيل ونتائجها، فإن التأخير يكشف عن تعقيدات في عملية صنع القرار داخل النظام الإيراني، وعن تجاذبٍ وتوترٍ بين أجهزة الدولة السياسية والديبلوماسية من جهة، وأجنحتها "الثورية" من جهة أخرى، ويذكّرنا بالتسريبات العائدة لوزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، التي انتشرت عام 2021، وانتقد فيها سليماني وتدخلاته في السياسة الخارجية. ومؤخرًا، كشف عدم إحترام "الحرس الثوري" لتصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التي اعتذر فيها من دول الخليج العربي، في موقفٍ يبرِّئ ضمنًا هذه الدول وينفي عنها المشاركة في العدوان؛ عمق المشكلة التي شكا منها ظريف.

 

إن المؤسسات الإيرانية التي روّجَ لها البعض وفاخر بها أصبحت كلها الآن تحت سلطة "الحرس الثوري"، وهو كيانٌ يسيّره عقلٌ ميليشيوي، لا عقل دولة، بل يضع نفسه فوق الدولة، وتحرّكه الغيبيات أكثر مما تحركه المعطيات والوقائع الموضوعية الفاعلة في صنع القرار السياسي والعسكري.

 

إن تعقيدات صنع القرار في النظام الإيراني وسيطرة العقل الميليشيوي وتغييب عقل الدولة تزيد تأثير عوامل الوهَن الأخرى وتعمّق فعلها أكثر، وقد كشفت هذه الحرب كم أن إيران مصابةٌ بهذا الوهَن؛ ففي جولتين من حربٍ مباشرة فُرضت عليها؛ الأولى في حزيران/يونيو 2025، والثانية الآن، كانت سماؤها مباحة؛ لا طيرانَ يجابه، ولا دفاعاتٍ جوية تصد؛ فإسقاط بضع طائرات في الجولة الثانية لا يساوي شيئًا أمام حجم الطلعات الجوية المعادية في سمائها، ولا أمام عدد الأهداف التي كانت تُقصف في مدنها يوميًّا.

 

أجهزتها الأمنية والعسكرية تعاني من اختراقات كبيرة، بشرية وإلكترونية، أدت إلى اغتيال عددٍ كبير من قياداتها على رأسهم المرشد؛ وهذه المرة في عاصمتها طهران وليس في دمشق أو على طريق مطار بغداد؛ ووصل حجم الاختراقات حدًّا تُطلَق فيه المسيّرات الإسرائيلية من داخل إيران.

 

الأقليات فيها متأهبة، والمعارضة الداخلية متوثبة، ومدنها وأحياؤها تُحرَس ليلًا بـ"الباسيج" والميليشيات غير الإيرانية، خوفًا من قيامة الشعب.

 

وما رُوّج له على أنه تحالف إيران مع الشرق، أي مع روسيا والصين، ثبت أنه مجرد زعم، فبرغم اتفاقيات "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" وعمق التبادل التجاري، لم تستطع إيران الحصول على أنظمة دفاعٍ جوي أكثر تطورًا وقدرة، أو حتى مكافئة لما تم تدميره في الجولة الأولى. 

 

أما ورقة مضيق هرمز ومفاعيله النفطية والاقتصادية التي كانت تعتقد أنها تبتز بها العالم فقد ارتدّت عليها، حيث تحول الإغلاق إلى حصارٍ لموانئها، بينما اقتصادها في رمقه الأخير، ومصارفها تفتقر إلى السيولة، وتصدير نفطها تحت رحمة الحصار؛ التضخم يزداد والعملة تفقد قيمتها، ومن المنطقي أن يكون تجّارها الذين كانوا شرارة الاحتجاجات الأخيرة قبل الحرب بسبب سوء أوضاعهم، قد أصبحوا في وضعٍ أسوأ بعد الجولة الحالية من الحرب؛ ولا شك أنه إذا طال الحصار أو تجددت الحرب، فإن الاقتصاد الإيراني سيتضرر أكثر وربما يصل حد الانهيار.

 

إن ترك غزة وجنوب لبنان واليمن في مواجهة حرب التدمير والإبادة، ونأي إيران بنفسها عن "وحدة الساحات" طوال أكثر من عامين، وتوجيه جل طاقتها الصاروخية ضد الدول العربية في هذه الجولة، يكشف بشكلٍ أوفى حقيقة "الوهَن الاستراتيجي" الذي تعاني منه إيران وكانت تحاول أن تخفيه بلافتة "الصبر الإستراتيجي".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.