قراءة أولية تقنية في اتفاق وقف إطلاق النار
جبران الخوري
ماجستير في إدارة الشؤون الدولية والديبلوماسية
تثير ورقة اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلنة من قبل الإدارة الأميركية جملة من الإشكاليات البنيوية التي تمسّ التوازن التعاقدي ومفهوم السيادة في القانون الدولي، إذ يبدو النص أقرب إلى إطار إجرائي لإدارة النزاع منه إلى أداة قانونية لحسمه، مع ما يرافق ذلك من غموض قابل للتأويل قد ينعكس عمليًا لمصلحة طرف على حساب آخر.
وفي هذا السياق، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
1. يُلاحظ خلوّ النص من أي إشارة صريحة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية إلى الحدود الدولية المعترف بها. ورغم أن هذا التغيب قد يندرج ضمن منطق تأجيل القضايا الخلافية إلى مراحل تفاوضية لاحقة، فإنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كان هذا الإرجاء يشكّل مجرّد تقنية تفاوضية، أم أنه يفتح المجال أمام تكريس وقائع ميدانية غير محسومة قانونيًا، خصوصًا في ظل غياب ضمانات واضحة لمعالجة هذا الملف ضمن سقف زمني محدد.
2. يربط النص تمديد وقف الأعمال العدائية بإظهار لبنان قدرته الفعلية على فرض سيادته. لكن هذا الشرط يأتي بصياغة فضفاضة تفتقر إلى معايير قانونية محدّدة أو جهة مرجعية واضحة لتقييمه، ما يجعله عرضة لتقديرات سياسية أو أمنية متباينة. وهو ما قد يحوّل هذا البند من أداة تنظيمية إلى وسيلة ضغط تُستخدم لتبرير وقف التمديد أو استئناف العمليات.
3. يمنح النص إسرائيل حق اتخاذ إجراءات ضد هجمات مخطط لها أو وشيكة، وهو تعبير يتجاوز الصياغات التقليدية الأكثر تقييدًا في تفسير حق الدفاع عن النفس في إطار ميثاق الأمم المتحدة. ورغم أن مفهوم التهديد الوشيك حاضر في بعض الاجتهادات الدولية، فإن إدراجه بهذه الصيغة الواسعة ضمن اتفاق وقف أعمال عدائية يخلق هامشًا كبيرًا للتفسير، قد يؤدي عمليًا إلى إضعاف مبدأ التهدئة عبر إبقاء الباب مفتوحًا أمام استخدام القوة استنادًا إلى تقديرات أحادية.
4. يُحيل النص مسألة ترسيم الحدود البرية إلى مفاوضات لاحقة، ما يعكس مقاربة تقوم على فصل التهدئة الميدانية عن الحلول القانونية النهائية. وبينما لا يتعارض هذا النهج بالضرورة مع الإطار العام الذي كرّسه قرار مجلس الأمن 1701، فإنه يعيد إدخال ملف ذي طابع قانوني إلى حيز التفاوض السياسي، بما قد يربطه بتوازنات أوسع تتجاوز مسألة الحدود بحد ذاتها.
5. يُظهر النص تفاوتًا واضحًا في طبيعة الالتزامات بين الطرفين، إذ يفرض على الدولة اللبنانية التزامات إيجابية محدّدة وقابلة للقياس (منع الهجمات، فرض السيطرة)، في حين تظل التزامات إسرائيل ذات طابع سلبي (الامتناع عن العمليات الهجومية)، مع احتفاظها باستثناء واسع تحت عنوان الدفاع عن النفس. ويؤدي هذا الاختلال إلى بنية قانونية غير متكافئة، حتى وإن لم يشكّل بحدّ ذاته مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي.
في مجمله، يعكس النص مقاربة مرحلية تهدف إلى احتواء التصعيد أكثر مما تهدف إلى معالجته جذريًا، إذ يؤجل القضايا السيادية الأساسية، وفي مقدّمها الانسحاب وترسيم الحدود، إلى مسارات تفاوضية لاحقة غير مضمونة النتائج.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز ضرورة أن يتخذ لبنان موقفًا تفاوضيًا أكثر تشددًا ووضوحًا، يقوم على ربط أيّ ترتيبات لوقف الأعمال العدائية بضمانات صريحة تتعلق بالسيادة، وفي مقدمها مسألة الانسحاب الكامل إلى الحدود الدولية، وتحديد آليات تنفيذ واضحة ومحددة زمنياً. فغياب مثل هذه الشروط يكرّس اختلالًا في التوازن التعاقدي، وقد يؤدي إلى تثبيت واقع ميدانيّ هشّ يُدار أمنيًا بدل أن يُحلّ قانونيًا، بما يتعارض مع مقتضيات الاستقرار الدائم.
نبض