الحروب وموازين القوى في زمن الذكاء الاصطناعي
باحثة وأستاذة جامعية
في عالم يعاد تشكيله على إيقاع الذكاء الاصطناعي، لم تعد القوة العسكرية وموازين القوى تقاس بما تملكه الدول من عتيد وعتاد أو ترسانة، بل بما تنتجه من معرفة رقمية وبكيفية توظيفها في إدارة الصراع. فالحروب اليوم لم تعد تخاض فقط في الميدان، بل في فضاء الخوارزميات والبيانات، منتقلةً من ساحات القتال التقليدية إلى منظومات رقمية تدار بمنطق التعليمات البرمجية.
يتجسّد هذا التحول بوضوح في سياق التوتر الأميركي-الإيراني الاخير، حيث لعب الذكاء الاصطناعي محورًا أساسيًا في تحقيق الاهداف وادارة الحرب وأدواتها. فالولايات المتحدة مثلًا، طوّرت أنظمة متقدمة مثل برنامج "مايفين" الذي يقوم على أتمتة بناء البرمجيات وتحليل البيانات من مصادر متعددة، بما في ذلك الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار وتقارير الاستخبارات. لا تقتصر تلك الأنظمة على رصد الأهداف فحسب، بل على اقتراحها بدقة تفوق البشر، ما يمنح صانع القرار قدرة غير مسبوقة على التحكم في مسارات العمليات واتخاذ القرار في الزمن الفعلي.
في المقابل، أثبتت إيران قدرة لافتة على التكيّف والابتكار رغم العقوبات، فطوّرت منظومات من المسيّرات الهجومية الزهيدة التكلفة التي تعمل بتنسيق ذكي، واعتمدت على أشكال من الذكاء الاصطناعي، فنسّقت الهجمات الدقيقة عبر الوكلاء، سواء الميدانيين أو الرقميين، كأداة فعالة في إرباك الخصم واستنزافه دون الانخراط في مواجهة تقليدية مباشرة.
في لغة أخرى، لم يعد التفوق العسكري يقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بمدى القدرة على إنتاج المعرفة الرقمية في الوسائل الحربية وتوظيفها. فالتفاوت في القدرات التكنولوجية أصبح المحدد الأبرز لمصير الصراعات، والتفوق الرقمي بات شرطًا لازمًا لأي دولة تسعى إلى إعادة تشكيل نفوذها على المستويين الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، فإن أي هدنة محتملة بين إيران والولايات المتحدة، إن حصلت، لن تتجاوز كونها فاصلًا زمنيًا لإعادة التموضع والابتكار، من دون أن تعكس تحولًا حقيقيًا في طبيعة الصراع أو أدواته.
أما لبنان، فلا يمكن مقاربة موقعه في هذا التحول العالمي من زاوية طموحه في تحقيق التحول الرقمي فقط، بل من زاوية أكثر إلحاحًا تتطلب تشريعات حديثة ومواكبة الابتكارات الذكية وتطويعها وتوفير الأمن السيبراني والسيادة الرقمية في عصر الثورة التكنولوجية. فالدولة التي تعجز اليوم عن امتلاك القدرات الرقمية والاستخباراتية المتطورة، تصبح متأخرة وضعيفة ومكشوفة أمام صراعات تدار بخوارزميات لا تراها، وقرارات تتخذ في أجزاء من الثانية خارج نطاق قدرتها على الرد أو التأثير.
ان لبنان لا يبدو هنا في منأى من هذه التحولات، بل قد يتحول فضاؤه/سماؤه إلى مساحة عنف وتصادم بين قوى تمتلك تفوقًا رقميًا، أو يتحوّل إلى ساحة اختبار غير معلنة لتقنيات الصراع الحديثة.
من هنا، لمن يدعو لبنان الى الانخراط في الحرب نقول ان التحدي الواقعي لا يكمن في دخوله الحرب وسباق القوى الكبرى التي لا يقوى عليها، ولن، بل في بناء حد أدنى من المناعة التكنولوجية، بما يسمح بفهم طبيعة هذه الحروب وتأمين مقومات الحماية وتقليل تكلفتها على الدولة والشعب اللبناني.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التأخر البنيوي في تطوير القدرات التكنولوجية في لبنان، لا سيما في المجالين العسكري والاستخباراتي، لا ينعكس فقط ضعفًا في القدرة على المواجهة، بل قد يفرض أيضًا قيودًا واقعية على قرار الدخول في الحرب أصلًا. فحين تصبح أدوات القتال بين الدول قائمة على منظومات عالية التعقيد والتكلفة، كالذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والحروب السيبرانية، فإن غياب قدرة لبنان على مجاراتها، يجعل انخراطه في اي مواجهة محفوفًا بمخاطر غير متكافئة، ولن تجلب له ولشعبه سوى المزيد من الخراب والدمار. ومن هذا المنظور، يمكننا الفهم أن عدم الانخراط في الحرب لم يكن حيادًا او مجرد نقطة ضعف دفاعية فقط، بل هو عامل موضوعي واساسي يحدّ من إمكان أن يخوض لبنان حربًا غير متكافئة مع الاخرين، في ظل تفوق تكنولوجي ساحق لا يملك أدواته او موازنته!
نبض