بيروتتي لم تعد آمنة

آراء 10-04-2026 | 16:39

بيروتتي لم تعد آمنة

وما كان أشد إيلاماً خلال جولتي أنّ إحدى الشاهدات علمت منّي أنّ صديقها كان من بين ضحايا الاستهداف، بعدما ذكرتُ اسمه لها، فيما كنتُ قد رأيتُ نعيه قبل أن أنزل إلى الشارع.
بيروتتي لم تعد آمنة
كورنيش المزرعة في العاصمة بيروت (تصوير: حسام شبارو)
Smaller Bigger
لا أعرف ماذا يمكن أن يحدث بعد قليل. نحن اليوم نعيش، ربما بالصدفة، وربما على الأمل.
لم أعد قادرة على التركيز على شيء، ولا حتى على الشعور بأي شيء. لعلّها آلية التكيّف التي تحدّثت عنها معالجتي، راوية. وربما أنا محظوظة لأنني ما زلت أعمل، فأجد ما يشغلني، لكنني، بحكم عملي الصحافي، أبقى محاصرة بالأخبار، ولا مهرب منها.

صوت الضربات والقصف، والروائح التي تخلّفها، صار ــ للأسف ــ جزءاً من الروتين، إلى درجة أنّ من بين الأسئلة الغريبة التي بتنا نطرحها: لماذا لم يقصفوا اليوم؟ الله يستر.

حتى أمي لم تعد تنظر إليّ بعينيها اللتين كانتا تتوسلان إليّ أن أبقى، أو تقولان لي: "لا تذهبي إلى العمل" خوفاً عليّ. باتت نظرتها وحدها تكفي لأفهم ما تريد قوله: إنها خائفة، لكن ما كتبه الله سيحدث.

كنت أخبئ دمعتي، لكن ماذا يمكنني أن أغيّر؟ ماذا أستطيع أن أفعل؟ لا قرار لي، ولا قدرة لي على إيقاف الحرب. وجهات النظر من حولي كثيرة، وكلّها تُحترم، رغم اختلافي مع بعضها، لكن ألسنا إخوة في الوطن؟ وفي الحروب، أليس الأجدر بنا أن نحتضن بعضنا البعض؟

كورنيش المزرعة في العاصمة بيروت (تصوير: حسام شبارو)
كورنيش المزرعة في العاصمة بيروت (تصوير: حسام شبارو)


يوم الأربعاء تغيّر المشهد. قُصفت بيروت. بيروت المسالمة التي لا تتكلم، بل تحب فقط أن تعيش.
كورنيش المزرعة الذي كلما مررت فيه شعرت أنّني أتنفس رغم الزحمة والضجيج وكثرة الناس، صار مسرحاً لأصوات غير مألوفة، أصوات صراخ تسأل: أين الضربة؟ هل هي في كورنيش المزرعة؟ الكولا؟ البسطة؟ عين المريسة؟
ماذا حلّ ببيروت؟ هل رحلت؟

قد يظن كثيرون أنّني أكتب لأن منطقتي استُهدفت، أو لأنني الآن فقط شعرت أنّ لبنان كله في خطر. ليس الأمر كذلك. لكن البيروتيين لا يملكون سوى بيروت، وهذه مدينتنا.

وكان المشهد أكثر ألماً حين طُلب مني النزول لتغطية القصف في منطقة كورنيش المزرعة. لم يكن  سهلاً، وإن كان لا يشبه ما يحدث في الضاحية. 

الناس كانوا صامتين، لا يريدون الكلام، لأنهم مسالمون، ويخافون أن تُفهم الكلمة على نحو خاطئ، رغم أنهم فقط يريدون أن يتحدثوا.

والمفاجئ، خلال حديثي مع الناس عن المشهد والحرب، أنّ الصدمة الكبرى كانت لدى الأهالي النازحين؛ هم الذين بدوا أكثر ذهولاً وحزناً من وقوع ما حدث. لم يكن المشهد بسيطاً. وكيف لنا أن نفهم أنّ هؤلاء جميعاً، رغم اختلاف مواقعهم، قلوبهم على بعضهم، لكن لا أحد قادر على أن يفعل شيئاً؟ ماذا يملك الشعب أصلاً؟
ما ذنب محل الورود في الكورنيش أن يُستهدف؟
ما ذنب بيت صديقتي أن يذهب؟
ما ذنب محل البن الذي اعتدنا أن نشم رائحته كلما مررنا؟
ما ذنب منطقة يعتبرها نصف لبنان بسلام وأمان؟


وما كان أشد إيلاماً خلال جولتي أنّ إحدى الشاهدات علمت منّي أنّ صديقها كان من بين ضحايا الاستهداف، بعدما ذكرتُ اسمه لها، فيما كنتُ قد رأيتُ نعيه قبل أن أنزل إلى الشارع. كان ذلك من أصعب ما مررت به في عملي، رغم أنني لست مراسلة ميدانية دائمة.

ربما لم يعد هناك مكان آمن اليوم في لبنان. الناس يحاولون جاهدين أن يضبطوا أعصابهم، ربما بكلمة، وربما بفعل بسيط. لكن اليوم، بيروت تبكي… وحقاً، قلبها مكسور.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 12:24:00 PM
فيديو يُظهر لحظة استهداف البارجة بصاروخ كروز بحري يحمل شعار "حزب الله"