مفاوضات الحرب الإيرانية: هل من الحكمة إقصاء دول الخليج من طاولة المفاوضات واختزال دورها إلى مجرد مراقب؟

آراء 10-04-2026 | 19:11

مفاوضات الحرب الإيرانية: هل من الحكمة إقصاء دول الخليج من طاولة المفاوضات واختزال دورها إلى مجرد مراقب؟

"إن الدول الأكثر تضرّراً من المواجهة العسكرية مع إيران تحتاج إلى مقعد حقيقي على طاولة المفاوضات لضمان اتفاق ديبلوماسي مستدام".
مفاوضات الحرب الإيرانية: هل من الحكمة إقصاء دول الخليج من طاولة المفاوضات واختزال دورها إلى مجرد مراقب؟
تواجه واشنطن خياراً واضحاً: إما السعي نحو تسوية سريعة، أو الاستثمار في بناء اتفاق شامل يضمن التزاماً مستداماً من الأطراف الأكثر تأثراً
Smaller Bigger

إيريك آلتر*

عقد وزراء خارجية كلٍّ من المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان اجتماعاً في إسلام آباد، مطلع الأسبوع الجاري، لبحث سبل خفض التصعيد في الحرب الدائرة ضد إيران. وفي الوقت ذاته، لا تزال الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تستهدف القواعد الأميركية المنتشرة في منطقة الخليج. ففي 27 آذار/مارس، أسفرت إحدى الهجمات عن إصابة 12 عسكرياً أميركياً، بينهم اثنان في حالة حرجة، بعد استهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية.

ومنذ اندلاع الحرب في أواخر شباط/ فبراير، سقط 50 مدنياً على أراضي دول الخليج، أغلبهم من العمالة الوافدة من جنوبي آسيا، الذين لا يمثلون طرفاً في هذا النزاع. وفي 5 آذار، اعترضت القوات الجوية القطرية قاذفتين إيرانيتين من طراز سوخوي-24، كانتا على وشك استهداف قاعدة العديد الجوية ومطار الدوحة الدولي. ورغم أن هذه الدول تقع في قلب الصراع، فإنها لا تزال، من الناحية الديبلوماسية، تراقب التطورات من بعيد، بينما تتخذ أطراف أخرى القرارات التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة.

يعكس هذا المشهد نمطاً متكرراً في الديناميكيات الإقليمية، إذ لم تحظَ دول الخليج بمقعد فعليّ على طاولة المفاوضات عند صياغة خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015 بين الولايات المتحدة وإيران، كما يقتصر تمثيلها اليوم على أدوار رمزية. ويبدو أن هذا التهميش المتكرر ليس نتيجة سهو ديبلوماسي، بل خيار متعمد.

وقد أحالت واشنطن إلى طهران مقترحاً مؤلفاً من 15 بنداً عبر القنوات الباكستانية، يقوم على معادلة واضحة: رفع العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي، والحدّ من القدرات الصاروخية، وإنهاء الدعم للجماعات الوكيلة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، يشترط الرد الإيراني الاعتراف بسيادته الكاملة على هذا الممر الحيوي، الذي يعبر من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ويُعدّ شرياناً اقتصادياً أساسياً لدول الخليج. ومع ذلك، تظلّ مشاركة دول الخليج في هذه المسارات محدودة واستشارية، رغم أنها الأكثر تأثراً بتداعيات هذا الملف.

ولم تركّز القيادات الخليجية يوماً على مسألة أجهزة الطرد المركزي الإيرانية بالقدر نفسه الذي توليه واشنطن لهذا الجانب، إذ تنصبّ أولوياتها على الترسانة الصاروخية والأسطول المسيّر، إضافة إلى شبكة الميليشيات الوكيلة التي عملت طهران على ترسيخها على مدى عقدين في العراق وسوريا واليمن ولبنان. ولا يمكن اعتبار أي اتفاق يتجاهل هذه التهديدات المباشرة اتفاق سلام حقيقياً، بل هو، في أفضل الأحوال، هدنة موقتة تمهّد لجولة جديدة من التصعيد.

وفي حين يبدو السعي الأميركي لإبرام اتفاق سريع أمراً مفهوماً، نظراً لأن تنسيق المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي قد يطيل أمد المفاوضات، فإن الاتفاقات التي تهمّش الأطراف الأكثر عرضة للخطر لا يمكن أن تصمد طويلاً. فدول الخليج ليست مجرد متفرج على هذه الأزمة، بل هي الهدف الرئيسي، حيث صممت طهران ترسانتها وشبكاتها الإقليمية للهيمنة على الخليج، وليس لاستهداف الأراضي الأميركية أو العواصم الأوروبية.

وقد تابعت الأجهزة الاستخباراتية الخليجية، على مدى سنوات، أنشطة الحرس الثوري الإيراني وآليات تمويل الجماعات الوكيلة بدقة عالية. وتعتمد المؤسسات الأمنية الأميركية على هذه الخبرات أكثر ممّا تعكسه التصريحات الرسمية، ما يعني أن استبعاد دول الخليج من مسار المفاوضات سيجعل أيّ اتفاق نهائي معتمداً بدرجة كبيرة على الضمانات الإيرانية وحدها، وهو ما لا يشكّل أساساً متيناً للاستقرار الإقليمي.


الشريك الأهم
ولا شك في أن دول الخليج كانت ولا تزال الشريك الأهم لواشنطن في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تبدي شكوكاً متزايدة بشأن نواياها طويلة الأمد. فهي توسّع شراكاتها في مجال الطاقة مع الصين، وتبحث في خيارات الحصول على أنظمة دفاع جوي روسية وأوروبية. ومن شأن إقصائها عن المشهد الديبلوماسي أن يسرّع توجهها نحو بدائل جيوسياسية أخرى.

وإذا مضت واشنطن في فرض اتفاق إلزامي دون إشراك حقيقي للشركاء الخليجيين، فمن المرجّح أن تتعامل معه عواصم الخليج كهدنة موقتة ينبغي التكيّف معها، لا كالتزام استراتيجي يستحق الدفاع عنه سياسياً أو ديبلوماسياً.

ولا يمكن التوصل إلى اتفاق دائم دون إشراك دول الخليج منذ المراحل الأولى. ويعني ذلك ربط رفع العقوبات تدريجياً بالتزام إيران بمعايير واضحة وقابلة للتحقق، مع مشاركة ممثلين خليجيين رسميين إلى جانب القوى الكبرى في آليات الرصد المشتركة للبرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ، والأنشطة المرتبطة بالجماعات الوكيلة.

وقد أصرّت الدول الأوروبية عام 2015 على آليات تحقق مرحلية، إدراكاً منها أن تنفيذ أيّ اتفاق يصبح شبه مستحيل دون قبول فعليّ من الدول الأكثر عرضة للتهديد، إذ إن الأطراف التي تعيش تحت وطأة الخطر يومياً هي الأقدر على رصد أيّ خروقات في وقت مبكر.

وفي الشرق الأوسط، نادراً ما تفشل الاتفاقيات بسبب خلافات تقنية ثانوية، بل يعود انهيارها، في أغلب الأحيان، إلى غياب آليات تنفيذ فعالة. وعندما تشارك القيادات الخليجية في صياغة الأطر التنظيمية وتتحمل مسؤولية الرصد والمراقبة، فإنها تكتسب مصلحة حقيقية في ضمان استدامة الاتفاق والتزام جميع الأطراف به.

واليوم، تواجه واشنطن خياراً واضحاً: إما السعي نحو تسوية سريعة، أو الاستثمار في بناء اتفاق شامل يضمن التزاماً مستداماً من الأطراف الأكثر تأثراً، وهما مساران يصعب الجمع بينهما. فقد كان الخليج في مرمى الاستهداف الإيراني قبل بدء هذه المفاوضات، ولا يزال كذلك اليوم، كما أن إبعاد قادته عن طاولة الحوار لا يسهّل المهمة الديبلوماسية، بل قد يمهّد لجولة جديدة من الصراع.



*عميد برامج الدراسات العليا في أكاديمية أنور قرقاش الديبلوماسية.

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 12:24:00 PM
فيديو يُظهر لحظة استهداف البارجة بصاروخ كروز بحري يحمل شعار "حزب الله"