في اتجاه الطريق المُنحدِرة!
تحاصركَ أخبارُ السياسة وتطوراتُ الحرب أينما ولّيتَ وجهك، كأنها هواءٌ ثقيل… لا يُرى، لكنه يُتعب الرئتين، ويجثم على القلب المنهك.
يا أيها الإنسان... لا عاصمَ لك في هذا الزمان من فيضانِ التوتر، حتى صارت نشراتُ الأخبار تمارس عليكَ وصايةً عاطفية: تُحزنكَ… ثم تطلبُ منك أن تتفهم!
تُغلقُ التلفزيون هرباً من وجوهٍ أرهقها التحليل، لتفتحُ هاتفك، فتجد العالمَ كلّه قد انتقلَ إلى كفك. العالم العالق في دائرة الحيرة بكل فوضاه، وضجيجه، وصوره المكررة من الكارثة... صار على شاشة هاتفك.
تفرّ إلى المذياع، فإذا بالمحللين السياسيين قد سبقوك إليه، يجلسون هناك بثقةٍ كأنهم شهودُ العيان على الغيب، يُفسّرون ما حدث… وما لم يحدث… وما لن يحدث.
ليس أمامك سوى أن تلجأ إلى الطرقات، إلى شيءٍ يشبه الحياة خارج هذا الضجيج، لكن حتى الطبيعة—المسكينة— يا هذا بدت وكأنها دخلت هي الأخرى في نشرة أخبار عاجلة: حرٌّ غير مسبوق… بردٌ مفاجئ… رياحٌ متقلبة الاتجاه! وكأنها سياسة لا أجواء مناخ!
جاءت الفرصة في سفرٍ سريع. هروبٌ صغير بحجم حقيبة، وسؤالٌ كبير بحجم تعبك: ماذا لو استمعتَ يا أيها الإنسان لنصيحة الطبيب، وذهبتَ بعيداً عن كل هذا؟
تُشغّل المذياع العتيق، فتستقبلك أم كلثوم بصوتٍ يعرفُ كيف يُربّت على وجعك… ولكنه يزيده قليلاً. تقول لك: "فات الميعاد"، ثم تُسلّمك للزمن: "ح أسيبك للزمن". وكأن الزمن موظفُ استقبالٍ في فندق الألم، يبتسم لك ويقول: "غرفتك جاهزة منذ بدء الريح العاصفة".
تبتسم بسخريةٍ خفيفة: ما لنا وإحباط "الست" الآن؟ نحنُ نبحث عن هدنةٍ… لا عن قصيدة بكاء.
ها هي فرصةُ الغوص في السفر. فرصةٌ لتجديد طاقة الأمل—ولو على سبيل التجربة— فلا نُضيّعها كما نُضيّع عادةً كل الأشياء الجميلة.
هذه المدينةُ البعيدة تبدو كأنها فكرةٌ بديعة، ورحلةُ السيارة تمنحك إحساساً مؤقتاً بأنك خارج الخريطة. خارج التحليل. خارج طماذا بعد؟"، و"ماذا ترى".
القيادة في مدينةٍ منظمة تشبه السير داخل جملةٍ نحويةٍ سليمة. لا مفاجآت، لا أخطاء، ولا محللين.
تُفعّل برنامج تحديد المواقع الجغرافية، تضع العنوان بكل ثقةٍ لا تملكها في حياتك، وتنصت لذلك الصوت الهادئ، الذي يبدو—للمفارقة—أكثر حكمةً من نشرات الأخبار: "وجهتك جنوب شرق!".
يا لها من جهةٍ مريحة، لا شرقية تماماً، ولا غربية بما يكفي لتُتهم! "اتجه نحو المدخل الرابع يميناً…
ثم بعد خمسمئة متر يساراً (…)" وكأن الحياة كلها مجرد مناورات التفاف. يمين قليل. يسار كثير. وكأن هذا التطبيق يرمي لشيء ويعيدنا لتقلبات اليسار واليمين! ونصل في النهاية إلى لا شيء واضحاً.
"قد تكون وجهتك مغلقة في الوقت الحالي"!
تضحك. حتى الخرائط بدأت تتحدث بلغة السياسة:
احتمالات… تحفّظات… واعتذارٌ مهذب عن الفشل.
"اتجه يميناً مرة أخرى… نحو الطريق المُنحدِرة…
أمامك مطب"! المطب الوحيد الذي لم يحتج إلى تحليلٍ استراتيجي. تتساءل:
هل هذا برنامجُ ملاحة… أم بيانٌ سياسيٌّ مُشفّر؟
وفي الخلفية، يأتي صوت عبدالحليم حافظ، كأنه دخل على الخط، تتخيله الآن بشكل آخر، متقمصاً إطلالة دونالد ترامب في الحديث للصحافيين، وهو يغمض عينيه ويزم شفتيه، يقف ممسكاً باب مرحاض الطائرة الرئاسية، ليُدلي بدلوه في هذا العبث، معلناً:
"وطريقك يا ولدي… مسدود، مسدود "!
تتنهّد…
حتى الأغاني القديمة لم تعد بريئة، كلها تعرف شيئاً لا تريد أن تقوله مباشرة. ما الذي يجري؟
هل هي صدفةُ حظٍ عاثر؟ أم أن العالم كله-
من نشرات الأخبار… إلى خرائط الطريق… إلى الأغاني- اتفقوا سراً على أن يُخبروك الحقيقة نفسها، لكن كلٌّ بطريقته:
العالم يسير في اتجاه الطريق المنحدرة!
نبض