السلام تحت وطأة الفساد
أطرح في هذا الرأي فكرة السلام ضمن إشكالية سياسية واجتماعية حادة، تتجلى في واقع لبنان المعاصر المتصل بتعرّض الشعب اللبناني للنهب والتدمير الممنهج، بينما أغلقت السلطات أبواب التغيير والمحاسبة من الداخل. وبالتالي ينطلق هذا الرأي من التساؤل: كيف يتشكّل مفهوم السلام في بيئة محكومة بالفساد وانعدام المحاسبة؟
يُظهر التحليل أنّ الإشكالية تنبع من واقع شعبي لم يعد قادراً على التحمّل نتيجة اختناقه بفساد عميق ومتفشٍّ، وبإغلاق باب الأمل المرتبط بعدم المحاسبة وباقتراحات مشاريع قوانين ترمي إلى تعميق عمليات ترابح ومرابحة أفادت الأقلية على حساب الأكثرية، لا سيما أنه في كل مرة يخسر اللبنانيون مدّخراتهم وأعمارهم وأحلامهم وأرواحهم، تبرز سردية مفادها أنّ الحل قريب، إلا أن النتائج العملية كانت إعادة إنتاج النهب والفساد.
وبالتالي، فإن ردود فعل الشعب اليوم نابعة من الإحباط واليأس، أكثر منها نتيجة نقاش فكري هادئ، وقد تكون تعبيرا عن الرغبة في التغيير بأي ثمن.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى السلام على أنه اقتناع أو مشروع سياسي مدروس، بل أداة يطرحها المجتمع كرد فعل على ضغط يتحكم في مصير شعب محاصر في أمواله وحقوقه ولقمة عيشه ومستقبله. فمع فقدان الثقة بمؤسسات الدولة، أصبح من الوارد قبول تجربة أي خيار قد يؤدي إلى إسقاط الطبقة الفاسدة، وفي المقابل تسعى مصالح دولية إلى ترتيب أوضاع المنطقة وفق أهدافها الخاصة، بعيداً من معاناة المواطنين. وضمن هذه الجزئية، عندما تتقاطع المصالح مع مجتمع منهك يبحث عن مخرج، تصبح الأفكار الكبرى قابلة للتسويق على أنها حلول.
عند هذه النقطة، يظهر تقاطع حاسم بين الخارج الذي لديه مصلحة والداخل الذي يعاني حاجة ملحّة، وفي هذا التقاطع يُطرح السلام كفرصة، إلا أنه في الواقع يُعدّ نتيجة لا ثمرة قرار داخلي حرّ، خصوصاً في ظل اللحظة الدقيقة التي يعيشها لبنان، القائمة بين شعبٍ استفحل فيه الفساد من جهة وفقد الثقة بالطريق التقليدي للتغيير من جهةٍ أخرى. وبين هذا الامتلاء والرغبة بالخلاص، تُطرح أفكار كبرى كأنها مفاتيح جاهزة، لكنها في الحقيقة اختبارات لقدرة المجتمع على التمييز بين التغيير الحقيقي والتغيير الوهمي.
تكمن المشكلة في أن هذا النوع من الخيارات لا يعالج جذور الأزمة، أي الفساد الذي دمّر الدولة، فالفساد لن يختفي بمجرد صدور قرار كبير كالسلام، بل سيستمرّ ويتكيّف مع أي واقع جديد، مما يعني أن الشكل قد يتغير، لكن المضمون سيبقى نفسه.
في المحصّلة، نصل إلى نتيجة مفادها أن فكرة السلام وُلدت من التقاء مسارين متناقضين: الخارج يراها أداة لترتيب مصالحه، والداخل فرصةً للهروب من مأزقه، وفي هذا الالتقاء تضيع الحقيقة الجوهرية، إذ إن ما يبدو مخرجاً قد لا يكون كذلك، بل إعادة توزيع للأزمة ضمن شروط مختلفة.
بناءً على ما سبق، تفتقر مقاربة السلام إلى رؤية متكاملة، وتعكس انسداد الأفق وفقدان الثقة بالدولة وبإمكان المحاسبة، وقد دفع هذا الواقع بالناس إلى حافة اليأس، وفتح الباب أمام قبول أي طرح يبدو كأنه خلاص، حتى لو لم يكن كذلك، غير أنّ الخلاص الحقيقي لا يبدأ إلا باجتثاث الفساد من جذوره، وإرساء محاسبة فعلية. وفي غياب ذلك، لن يتحقّق الانتقال إلى حلّ مستدام، بل سيكون انتقالاً من أزمة إلى أزمات أخرى متكررة.
هذا الواقع يطرح سؤالاً ملحّا: هل كان الفساد المتجذّر والمتجدّد وسيلة للوصول إلى هذه الطروحات؟
نبض