هل يكون أبريل شهر نهاية الحرب؟
حسن درغام
مهندس معماري وكاتب سياسي
في لحظةٍ مفصلية من مسار الحرب، نقلت صحيفة Wall Street Journal أن دونالد ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران، حتى من دون إعادة فتح مضيق هرمز. هذا التحوّل لا يعكس مجرد تكتيك مرحلي، بل يكشف تغييراً عميقاً في تعريف “النصر” الأميركي. فالإدارة تسعى إلى تحقيق أهداف عسكرية محدودة، ثم إنهاء الحرب سريعاً، حتى لو بقيت بعض عناصر الخطر قائمة. “إنهاء العمليات قبل إعادة فتح المضيق خطوة غير مسؤولة بشكل لا يُصدّق”، تقول Suzanne Maloney من Brookings Institution. نحن أمام حرب تُنهى قبل أن تُحسم.
لكن ما يسرّع هذا التوجّه ليس فقط الحساب العسكري، بل أيضاً الضغط الاقتصادي العالمي المتصاعد. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز رفع أسعار النفط وأدخل الأسواق في حالة حذر. غير أن التأثير الأعمق يظهر في أسواق المال العالمية، حيث تُعتبر سوق السندات الأميركية—الأكبر في العالم بحجم يقارب 40 تريليون دولار—الملاذ التقليدي لأموال المستثمرين والدول. لكن إطالة أمد الأزمة تطرح مفارقة أكثر خطورة: اهتزاز الثقة حتى بهذا الملاذ نفسه. فاستمرار الحرب وتزايد العجز قد يدفع دولاً وصناديق كبرى إلى إعادة تقييم حيازاتها، ما يفتح الباب أمام ضغوط على الاقتصاد الأميركي نفسه، بالتوازي مع انكماش الأسواق وارتفاع التضخم. وحين يبدأ الشك بالتسرّب إلى أكبر سوق دين في العالم، لا تعود الأزمة إقليمية، بل تتحول إلى اختبار للنظام المالي الدولي.
في الداخل الأميركي، يتخذ الضغط شكلاً سياسياً مباشراً. فقد شهدت الولايات المتحدة مظاهرات مليونية لمعارضي تفرد دونالد ترامب في قراراته، من ملف الهجرة إلى التقديمات الاجتماعية، وصولاً إلى ارتفاع كلفة الحرب على المستهلك الأميركي، فيما وصل صدى الشارع إلى البيت الأبيض مع اقتراب الانتخابات النصفية. أي حرب طويلة قد تتحول إلى عبء انتخابي، ما يجعل إنهاءها ضرورة سياسية داخلية.
وفي هذا السياق، أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن العمليات قد تُنجز أهدافها خلال أسابيع، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، قائلاً: “بعد انتهاء العمليات، سنكون أمام مسألة مضيق هرمز…”، ما يعني أن الهدف لم يعد الحسم، بل فرض شروط التفاوض.
لكن هذا التوجّه لا يلغي حقيقة موازية: أن واشنطن ترفع سقف التهديد في الميدان. فقد لوّح دونالد ترامب بتصعيد جديد، محدِّداً مهلة تمتد خلال شهر أبريل، في محاولة لفرض إيقاع سريع للمواجهة والتفاوض معاً. نحن أمام معادلة مزدوجة: تصعيد ضمن مهلة، وتراجع بعدها. وبعد أكثر من شهر من الضربات، يمكن القول إن الحملة هزّت ركائز النظام الإيراني لكنها لم تسقطه، بفعل طبيعته الأيديولوجية المتماسكة.
أولاً: إيران… رابحة ببقائها، خاسرة بمشروعها.
فالنظام مستمر، لكن مشروعه الإقليمي سيتقلّص مع احتفاظه بموقع وازن داخل التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه الحرب، يبرز سؤال أعمق: هل لا يزال التفوّق العسكري كافياً للحسم؟ فما نشهده اليوم هو تفوّق عسكري أميركي–إسرائيلي يصعب توصيفه، من حيث التكنولوجيا والدقة والسيطرة. لكن هذا التفوّق، رغم حجمه، يبدو عاجزاً عن فرض حسم كامل في مواجهة أنظمة عقائدية تقوم على بنى أيديولوجية قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج نفسها. ففي هذه الأنظمة، لا يُقاس النصر بالحسم، بل بالبقاء. ومن هنا، تتحول القوة العسكرية من أداة لفرض الشروط، إلى وسيلة ضغط ضمن صراع مفتوح. وهذا ما يعيد طرح معادلة جديدة: تفوّق عسكري بلا حسم سياسي.
ثانياً: الخليج واجتماع إسلام آباد… إعادة تشكيل التوازن.
الاجتماع الذي عُقد في إسلام آباد أواخر مارس 2026، وضم باكستان كقوة نووية، والسعودية كمركز ثقل اقتصادي، وتركيا كمركز ثقل إقليمي–دولي، ومصر بثقلها التاريخي، حمل رسالة مزدوجة: طمأنة إيران ومحاولة فتح قناة وساطة، وفي الوقت نفسه وضع أسس نواة تحالف لحماية الخليج.
ثالثاً: أوروبا… بين أزمة الطاقة ومستقبل الناتو.
لا تقف تداعيات هذه الحرب عند حدود الشرق الأوسط، بل تمتد إلى أوروبا التي تجد نفسها أمام ضغوط مركّبة نتيجة الحرب في أوكرانيا وفقدان الغاز الروسي.
رابعاً: إسرائيل… الإنجاز العسكري وحدوده.
رغم تحقيق إنجازات عسكرية، يبقى التحدي سياسياً. وقد ربط بنيامين نتنياهو إنهاء الحرب بقرار ترامب، فيما يتصاعد التشدد داخلياً، من القوانين العنصرية التي يقرها الكنيست إلى رغبة واضحة لدى أجنحة في الحكومة في استمرار الحرب، من سموتريتش إلى بن غفير، وصولاً إلى نتنياهو نفسه، الذي يسابق الوقت للخروج بإنجاز عسكري عند حدوده الشمالية وصولاً إلى الليطاني، وهو الذي يسعى إلى ترسيخ موقعه السياسي وإبعاد شبح الملاحقات القانونية.
خامساً: الصين… الهدف غير المعلن في حرب الممرات والطاقة.
لا يمكن اختزال موقع الصين، فهي طرف أساسي في الصراع الدولي، حيث يتحول النفط إلى سلاح استراتيجي في مواجهتها.
أما لبنان، فهو مرآة مصغّرة للحرب الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز سؤال ما بعد الحرب في لبنان حول التسوية الداخلية وسلاح حزب الله.
هل نحن اليوم أمام تفوّق عسكري أميركي–إسرائيلي يفوق أي قدرة على توصيفه، لكنه في مواجهة الأنظمة العقائدية لم يعد قادراً على الحسم وفرض شروطه كاملة؟
في الخلاصة: ما يدفع نحو إنهاء هذه الحرب ليس فقط ميزان القوى العسكري، بل أيضاً الاقتصاد والأسواق والنفط وصراع القوى الكبرى.
نبض