يومياتي تحت القصف

يومياتي تحت القصف
قصف إسرائيلي. (أ ف ب)
Smaller Bigger
رونيت ضاهر (ابنة القليعة)

بين قرار الصمود، ولحظات ضعف تدفعك للتفكير بالبحث عن مكان بعيد آمن، تمرّ أيام بثقل ساعاتها ولياليها.

 

يختفي البعد الزمني، فلا الأيام ولا التواريخ لها قيمة او معنى، حتى البعد الجغرافي ينحصر في زاوية آمنة في المنزل قريبة من الملجأ، وهو أول غرفة بنيناها في منزلنا كما سائر المنازل في القليعة، البلدة الحدودية، التي عاشت حروبا كثيرة ودفعت دماءً ثمنا لبقاء أهلها وصمودهم.

 

تفاعلك مع الأحداث، تشعر به في الجزء الأوسط من جسمك، حيث تتشابك مشاعر الخوف والقلق والتوتّر وتفقد أي ارتباط بملذات الحياة حتى الأساسية منها، من مأكل ومشرب وحتى الخطط المستقبلية.

 

وأما تركيزك، فهو على تمييز الصاروخ من القذيفة والانطلاقة من الانفجار، فأنت بين نارين، وفي خضم حرب ضروس، ليست هي حربك، ولا ذنب لك سوى أنّك ابن المنطقة الحدودية تصرّ على بقائك في ارض أجدادك وقرب كنائسك. حرب يعتبرها الكثيرون أنّها الأخيرة في صراعات إقليمية ندفع أثمانها منذ الستينيات.

 

يومياتنا هي نهار طويل في مساحة ضيّقة، وليل ينتظره عدوّان لدودان هما القصف والتوتّر فيستحيل حينها النوم.

 

يومياتنا تحت القصف هي عين وأذن. أذن ترصد أصوات القصف وأي جهة مصدرها، حتى باتت متوتّرة لسماع أي صوت، ترافقها رجفة تتسلّل سريعا الى الجسد كلّه، وعين شاخصة على شاشة الهاتف تردّ على المطمئنّين وتتابع آخر الأخبار، وقد ملّت من قراءة اخبار القصف نفسها، وأي انقطاع لشبكة الانترنت وكأنه انقطاع عن العالم الخارجي كلّه.

 

أوفياء هم الأصدقاء الحقيقيون الذين يستفقدونك كلّ يوم، وكلمة "الحمدالله بعدنا صامدين رغم كل شي"، هي جوابنا الدائم. يستغربون بقاءنا رغم الخطر، وجوابنا هو ايضا: "بشفاعة مار جريس، حامي الضيعة منذ زمن طويل، باقون وصامدون، ودماء أبونا بيار هي درعنا الواقي".

 

الخطر كبير، والقلق أكبر، لكنّ الإيمان والصلاة هما قوّتنا. مار جريس شفيعنا معنا منذ الأزل وسيبقى الى الأبد، مار شربل يسمع صلاتنا.

 

يومياتنا تحت القصف هي أيام تشبه بعضها لا فرق بين ليلها ونهارها، فلا جديد يُذكر سوى أخبار القصف، فإذا اقترب الخطر نلجأ الى الهاتف للإطمئنان عن الاقارب وأهالي البلدة، وجيرانها جديدة مرجعيون الصامدة أيضا، ودير ميماس وبرج الملوك وابل السقي. 

 

يومياتنا، هي تعداد الأيام كي تنتهي هذه الحرب، لكنّنا ننسى أنّ هذه الأيام هي عمرنا الذي يمضي.... يمضي بحروب متتالية وأزمات عديدة، نسرق بينها لحظات فرح نصطنعها لنشعر أنّنا لا نزال أحياء.

 

صحيح أنّنا سئمنا الحروب، وهي دوما حروب الآخرين على أرضنا منذ الستينيات، فحرب تموز ٢٠٠٦ لا تزال في ذاكرتنا بكلّ تفاصيلها، والحرب الماضية التي دامت أكثر من عام لم ينسها أحدٌ بعد... لكنّنا نؤمن أن بعد الموت قيامة. نحن نستحق الحياة، نستحق الفرح، نستحق الأمان والعيش بسلام، نستحق ان نبني أحلامنا في هذا الوطن الذي بناه أجدادنا وبذلوا دماءهم لأجله... نحن نستحقّ أن نعيش....

 

 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"