مهلة ترامب… الطريق الأقصر إلى حرب استنزاف طويلة
حسين سعيد
ليس من الواقعي التعاطي مع المهلة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران على أنها فرصة حقيقية لإنتاج اتفاق. هذه المهلة، في جوهرها، تبدو أقرب إلى أداة ضغط شكلية، تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط السياسية والزمانية التي تسمح بولادة تسوية جدية. فدولة كإيران، راكمت خبرة طويلة في مواجهة العقوبات والضغوط، لا يمكن أن تنخرط في مسار استسلام تحت سقف زمني ضيق، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات سيادية كبرنامجها النووي وملفها الصاروخي ودورها الإقليمي.
بناءً عليه، فإن فشل هذه المهلة لا يبدو احتمالًا من بين احتمالات، بل نتيجة شبه محسومة. وما إن يسقط هذا المسار الدبلوماسي الهش، حتى يبدأ الانزلاق نحو مسار أكثر خطورة: تصعيد عسكري تدريجي، تحاول من خلاله واشنطن فرض وقائع ميدانية تعوّض عجز السياسة. غير أن هذا الخيار يصطدم سريعاً بحقائق الجغرافيا والاستراتيجية، وعلى رأسها التعقيدات المرتبطة بمضيق هرمز، حيث لا يمكن لأي مواجهة أن تبقى محدودة أو مضبوطة الإيقاع.
هنا تحديدًا، يبدأ التحول الحقيقي: من وهم الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف المفتوح. فإيران، التي لا يُتوقع أن تُكسر بضربات خاطفة، وتمتلك من أدوات الرد غير المتكافئ ما يكفي لإطالة أمد الصراع ورفع كلفته إلى مستويات غير مسبوقة. ومع تزايد الضربات والردود، تتكرس ملامح حرب طويلة، أقرب في منطقها إلى الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يغيب الحسم وتحضر معادلة الاستنزاف كخيار وحيد.
لكن خطورة هذا السيناريو لا تكمن فقط في بعده العسكري، بل في تداعياته العالمية. فأي تعمق في أزمة مضيق هرمز يعني عملياً إدخال سوق الطاقة في حالة فوضى، ما يفتح الباب أمام ارتفاعات حادة في الأسعار وأزمات اقتصادية متلاحقة. وفي هذا السياق، تجد قوى مثل روسيا والصين فرصاً استراتيجية لتعزيز مواقعها، سواء عبر توظيف أزمة الطاقة أو عبر استثمار التآكل التدريجي في صورة القوة الأميركية.
ومع مرور الوقت، تتكشف المعضلة الحقيقية أمام واشنطن:
المشكلة ليست في القدرة على توجيه الضربات، بل في عجز هذه الضربات عن إنتاج نتيجة حاسمة. فتكلفة كسر إيران إن كان ذلك ممكناً أصلًا تتجاوز بكثير كلفة القبول بتسوية، خاصة في ظل حرب مفتوحة تستنزف الموارد وتضغط على الحلفاء وتهز الاستقرار العالمي.
عند هذه النقطة، لا يكون التحول خياراً، بل ضرورة، ليخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً، لا ليعلن تراجعاً، بل ليعيد صياغة المشهد، ويقدَّم المفاوضات كامتداد للنجاح العسكري، لا كبديل عنه، ويعود لسردية على أن واشنطن فرضت شروطها: تحجيم القدرات النووية الإيرانية، إخضاعها لرقابة مشددة، والحد من دور حلفائها بما يطمئن إسرائيل والقضاء على ترسانتها الصاروخية.
غير أن جوهر المسألة سيكون مختلفاً تماماً: مفاوضات تُدار تحت ضغط الاستنزاف، وهدفها الفعلي ليس تكريس نصر حاسم، بل البحث عن مخرج من حرب بدأت تتجاوز حدود السيطرة.
وبعد فشل المهلة، لم يعد الحديث عن إمكانية وقف الحرب، بل أصبح السؤال الحقيقي: كم ستستغرق هذه الحرب، وكيف ستحدد المهلة الزمنية لاستشراف مدتها؟

نبض