هل تصدق إيران بالتزامها تجاه "حزب الله" في زمن التسويات؟

آراء 27-03-2026 | 06:30

هل تصدق إيران بالتزامها تجاه "حزب الله" في زمن التسويات؟

التطمينات التي تتحدث عن شمول الجبهات، بما فيها لبنان، تبدو في ظاهرها كافية لطمأنة الحلفاء، لكنها في الواقع تفتح باباً أوسع للشك. 
هل تصدق إيران بالتزامها تجاه "حزب الله" في زمن التسويات؟
صورة كبيرة لخامنئي الأب والإبن في إيران (أ ف ب)..
Smaller Bigger

حسين سعيد

 

في لحظة تتقاطع فيها المفاوضات مع الميدان، لا تبدو جبهة لبنان مجرد ساحة من ساحات الاشتباك، بل تتحول إلى معيار حقيقي لقياس صدقية الالتزامات السياسية. فمع تصاعد الحديث عن مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الاتفاق نفسه: إلى أي مدى تملك طهران القدرة، لا فقط الإرادة، على حماية موقع "حزب الله" ضمن أي تسوية مرتقبة؟

التطمينات التي تتحدث عن شمول الجبهات، بما فيها لبنان، تبدو في ظاهرها كافية لطمأنة الحلفاء، لكنها في الواقع تفتح باباً أوسع للشك. فالتجربة القريبة تشير إلى أن ما يُقال على طاولة التفاوض لا ينعكس دائماً في الميدان، خصوصاً في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، وغياب أي التزام فعلي بضبط التصعيد. وهذا ما يجعل الجبهة اللبنانية، تحديداً، مساحة اختبار لا للنيات، بل للقدرة على فرض الوقائع.

بالنسبة إلى إسرائيل، لا يبدو أن إدراج حزب الله ضمن أي تفاهم إيراني–أميركي كافٍ بحد ذاته. فالمسألة بالنسبة لها تتعلق بتغيير ميداني ملموس، يضمن إبعاد التهديد عن الشمال، وهو ما يدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى التعامل مع أي تسوية محتملة بمنطق استباقي، قائم على فرض وقائع عسكرية جديدة قبل تثبيت أي اتفاق. هذا السلوك لا يختبر فقط قدرة إيران على التفاوض، بل يضعها أمام تحدي فرض التزاماتها على خصم لا يبدو مستعداً للانضباط ضمن أي صيغة سياسية.

في المقابل، يقف حزب الله في موقع مختلف هذه المرة. فالحزب، الذي خرج من حرب 2024 مثقلًا بالخسائر، يشعر بأن ما تلا تلك الحرب لم يكن تسوية بقدر ما كان انكسارا في اختلال التوازن. استمرار الاستهداف، وغياب أي ردع فعلي، عززا قناعة لديه بأن الدبلوماسية لم توفر له الحماية المطلوبة، ما يجعله أكثر حذراً تجاه أي التزام جديد لا يترافق مع ضمانات واضحة وقابلة للتطبيق.

ويتجلى هذا التوتر الداخلي بشكل أكثر وضوحاً في الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانية بإخطار السفير الإيراني بضرورة مغادرة البلاد، وهي خطوة تتجاوز في دلالاتها البعد الدبلوماسي إلى مستوى الاشتباك السياسي المباشر مع النفوذ الإيراني في لبنان. الردّ السريع والحاد من حزب الله وحركة أمل، اللذين اعتبرا القرار بمثابة إعلان مواجهة مع الطائفة الشيعية، يعكس حجم الانقسام الذي بات يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي نحو توتر بنيوي مفتوح.

لكن التعقيد لا يتوقف عند حدود الاشتباك مع إسرائيل، بل يمتد إلى الداخل اللبناني نفسه، حيث تصبح أي خطوة حكومية في هذا الاتجاه محفوفة بمخاطر تصعيد يصعب ضبطه. فالحكومة مطالبة بالاستجابة للضغوط الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، لكنها تواجه حزباً يشعر بأنه تعرض للغبن في التجارب السابقة، ما يضعها أمام معضلة تنفيذية صعبة.

أما العامل الأكثر حساسية فهو المجتمع نفسه، وتحديداً النازحون. فمئات الآلاف الذين يشكلون الكتلة الأضعف بين أطراف الصراع، يعيشون تحت ضغط مزدوج: ظروف معيشية قاسية واحتكاكات متزايدة مع البيئات المضيفة التي تعاني بدورها من أزمات خانقة. ومع مرور الوقت، بدأ يظهر تململ صامت، لا يتخذ شكل رفض مباشر، لكنه يعكس تآكلًا تدريجياً في القدرة على التحمل. هذا التآكل الاجتماعي لا يستهدف الحزب بشكل مباشر، لكنه يفرض على أي تسوية أو تصعيد حدوداً صارمة: هل يمكن للمجتمع الحاضن أن يتحمل كلفة حرب مفتوحة دون أفق واضح للسلام أو الانتصار؟

في ضوء كل ذلك، لا يعود السؤال عن نوايا إيران كافياً لفهم المشهد. فالمشكلة لم تعد في إعلان الالتزام، بل في القدرة على ترجمته. هل تستطيع طهران فرض إدراج فعلي للجبهة اللبنانية ضمن أي اتفاق؟ هل تملك الأدوات لوقف المسار التصعيدي الذي تقوده إسرائيل؟ أم أن لبنان سيبقى الساحة التي تُختبر فيها هذه الوعود، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ؟

الحرب لم تعد احتمالًا، بل واقعاً محتدماً؛ وما يجري ليس نقاشاً حول توسّعها، بل حول القدرة على احتوائها ومنعها من الانفجار الكبير. وفي قلب هذا المشهد، تقف الجبهة اللبنانية كمرآة مزدوجة: تعكس حدود القوة الإيرانية من جهة، وحدود التحمل الداخلي اللبناني من جهة أخرى، مع بيئة نازحة تعيش تحت وطأة الضغوط اليومية وتصبح معياراً خفياً لقياس ثبات التحالفات والقدرة على الصمود.

 

جندي إسرائيلي (أ ف ب).
جندي إسرائيلي (أ ف ب).

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 3/26/2026 2:49:00 PM
ألمح ترامب إلى تلقي "هدية كبيرة" من إيران دون الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول إنّها ترتبط بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
جزيرة متروكة لمصيرها قد تقدّم طوق نجاة لإيران.
لبنان 3/25/2026 10:18:00 PM
مخابرات الجيش اللبناني تطوّق مبنى في أنطلياس بعد معلومات عن وجود مسؤول إيراني… وترحيله من المنطقة
فن ومشاهير 3/23/2026 10:48:00 AM
ابنه يستعد للزواج من الفنانة يارا السكري زميلته في بطولة مسلسل "علي كلاي".