الحسد الجيوسياسي
ضرار بالهول الفلاسي*
يُعرَّف الحسد الجيوسياسي (Geopolitical Envy) بأنه حالة من الإحباط الاستراتيجي تصيب الدول التي تفشل أيديولوجياتها في تحقيق الرفاه لشعوبها، بينما ترى جيرانها يحققون قفزاتٍ تنموية هائلة. في الحالة الإيرانية، تحول هذا الحسد إلى "عقيدةٍ سياسية" محركةٍ للعداء حيال دول الخليج، وبخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة.
حقبة السبعينات: وهم "شرطي الخليج"
في عهد الشاه، كانت إيران تقدم نفسها القوة المهيمنة والوحيدة في المنطقة، مستندةً إلى إرثٍ إمبراطوري ودعمٍ غربي. في ذلك الوقت، كانت دول الخليج في بدايات التأسيس. هذا "الاستعلاء التاريخي" الفارسي لم يتقبل فكرة أن تتحول هذه الدول الناشئة إلى منافسةٍ حقيقية في المستقبل.
نقطة التحول 1979: تصدير الثورة مقابل بناء الدولة
بينما اختارت إيران بعد 1979 طريق "تصدير الثورة" والميليشيات والعزلة الدولية، اختارت الإمارات ودول الخليج طريق "بناء الدولة" والاندماج في الاقتصاد العالمي. هنا بدأ الشرخ الجيوسياسي يتسع؛ إيران تشتري الولاءات بالصواريخ، والخليج يبني المدن الذكية ويستقطب الاستثمارات.
عقد التسعينات والألفية: "المعجزة الإماراتية" كخنجرٍ في خاصرة الأيديولوجيا
شكل نجاح دبي، ومن ثم أبوظبي، صدمةً للنظام الإيراني. كيف يمكن دولةً "صغيرة" جغرافياً أن تصبح مركزاً عالمياً للتجارة والطيران واللوجستيات، بينما تنهار الموانئ والمدن الإيرانية تحت وطأة سوء الإدارة؟ هذا التباين خلق شعوراً بالدونية الجيوسياسية لدى طهران، تمت تغطيته بخطاب الكراهية والحقد.
ما نراه اليوم من استهدافٍ إيراني مباشر بالصواريخ والمسيرات لدول الخليج ليس إلا "انفجاراً" لهذا الحسد المتراكم. إيران تدرك أن "القوة الناعمة" الخليجية قد هزمت مشروعها الأيديولوجي، وأن تفوق دبي والرياض والدوحة قد كشف زيف وعود الثورة الإيرانية.
إنهم يحاولون تدمير ما لا يستطيعون بناءه، وتشويه ما لا يمكنهم محاكاته. لكن التاريخ يثبت أن الدول التي تقتات على "الحسد" تنتهي بالتأكل من الداخل، بينما تبقى الدول التي تستثمر في "الإنسان" هي المنارة الحقيقية للمستقبل.
*كاتب ومحلل سياسي، والمدير التنفيذي لـ"مؤسسة وطني الإمارات"، وعضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، كاتب ومحلل سياسي مهتم بالشؤون الوطنية، والاجتماعية، والثقافية، وله مساهمات في تعزيز الهوية الوطنية والمواطنة الصالحة.
نبض