الأمن الأوروبي تحت الضغط: تداعيات التصعيد الأميركي - الإيراني
في لحظة دولية مشحونة بالتوترات المتقاطعة، تبدو أوروبا اليوم أمام اختبار استراتيجي معقد، عنوانه: كيف تتعامل مع تداعيات السياسات الأميركية تجاه إيران، من دون أن تخسر توازنها الدقيق بين أمنها القاري والتزاماتها عبر الأطلسي. إن رفض واشنطن للمقترح الروسي الأخير لم يكن مجرد موقف تفاوضي، بل إشارة واضحة إلى أولويات أميركية قد لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات الأوروبية.
من زاوية أوروبية، لا يُقرأ هذا الرفض فقط باعتباره دفاعاً عن دعم أوكرانيا، بل أيضاً كجزء من مقاربة أميركية أوسع تعيد ترتيب مسارح النفوذ، من شرقي أوروبا إلى الشرق الأوسط. وهنا يكمن القلق: إذ تخشى العواصم الأوروبية أن تتحول إلى متلقٍّ لنتائج صفقات كبرى لا تشارك فعلياً في صياغتها. فمجرد طرح فكرة مقايضة استخباراتية بين موسكو وواشنطن، حتى لو نُفيت لاحقاً، يكشف هشاشة الثقة داخل المعسكر الغربي، ويعزز الانطباع بأن أوروبا ليست دائماً على طاولة القرار.
الأخطر من ذلك أن التداخل بين الملفات، إيران أوكرانيا، والطاقة يضع أوروبا في موقع دفاعي؛ فالتصعيد الأميركي - الإسرائيلي تجاه إيران، وما يستتبعه من تهديدات للملاحة في الخليج، لا ينعكس فقط على الأمن العسكري، بل يمتد مباشرة إلى أمن الطاقة الأوروبي.
ومع تخفيف واشنطن للعقوبات على النفط الروسي لتخفيف الضغط عن الأسواق، تجد أوروبا نفسها أمام مفارقة: الاعتماد الجزئيّ على مورد كانت تسعى للتخلص منه، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع موسكو. والتعاون العسكري والاستخباراتي بين روسيا وإيران يصعد هذا المأزق. التقارير، التي تتحدّث عن دعم تقني ومعلوماتي روسيّ لطهران، سواء أصحّت بالكامل أم لا، تعزّز شعوراً أوروبياً بأن التهديدات لم تعد منفصلة جغرافياً، بل مترابطة ضمن شبكة صراعات متعددة المستويات. وهذا يعني أن أي تصعيد في الشرق الأوسط قد يرتد مباشرة على الأمن الأوروبي، سواء عبر استهداف مصالح غربية، أو عبر موجات اضطراب اقتصادي وأمني.
أما على صعيد العلاقة مع واشنطن، فتبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتصريحات الأميركية الحادة تجاه حلفاء الناتو، والضغوط لدعم التحركات العسكرية في الخليج، تكشف عن فجوة متنامية في الرؤى.
أوروبا، التي تميل إلى مقاربة أكثر حذراً وتعددية، تجد نفسها أمام شريك أميركي يتجه نحو سياسات أكثر أحادية وحسماً، ما يضعف التنسيق التقليدي داخل الحلف.
لا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على المظلة الاستخباراتية والعسكرية الأميركية، خاصة في الملف الأوكراني. فاستمرار تدفق المعلومات الاستخباراتية إلى كييف يظلّ عنصراً حاسماً في توازن المعركة، حتى مع تراجع أشكال الدعم الأخرى. وهذا الاعتماد يحدّ من قدرة أوروبا على اتخاذ مواقف مستقلّة بالكامل، ويجعلها مضطرة لمجاراة واشنطن، ولو على حساب بعض أولوياتها.
تكشف هذه التطورات عن معضلة أوروبية حقيقية: بين ضرورة الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، والحاجة المتزايدة إلى بناء استقلال استراتيجي قادر على التعامل مع عالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر حدّة. فالأمن الأوروبي لم يعد يُصاغ فقط في بروكسل أو برلين، بل يتأثر بقرارات تُتخذ في واشنطن وموسكو وطهران على حد سواء.
السؤال ليس ما إذا كانت أوروبا قادرة على التكيّف مع هذه التحولات، بل حول ما إذا كانت مستعدة لإعادة تعريف دورها في نظام دولي لم يعد يعترف بالهامش.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون
نبض