إيران المكشوفة: أسر الجغرافيا من هرمز إلى خرج… وإعادة تشكيل أمن الخليج العربي
نزيه الخياط*
مع تمدد خارجي يقابله انكشاف داخلي، تتحول جغرافية هرمز من أداة قوة إلى قيد استراتيجي يعيد تشكيل توازنات المنطقة.
تكشف الحرب الدائرة حالياً عن أكثر من مجرد مواجهة عسكرية أو صراع إقليمي؛ فهي اختبار حقيقي لبنية الدولة الإيرانية وعقيدتها الاستراتيجية. المسألة لا تتعلق فقط بقدرة طهران على إدارة صراعاتها التقليدية، بل بمدى صلابة نموذجها في مواجهة تحولات نوعية تعيد الصراع إلى داخلها. ما تواجهه إيران اليوم هو انكشاف بنيوي مركّب ناتج من اختلال التوازن بين العقيدة القتالية، والجغرافيا الاستراتيجية، وبنية الأمن الداخلي، في سياق تتقاطع فيه الضغوط الأمنية مع القيود الجيو-اقتصادية والاختراقات الاستخباراتية.
العقيدة القتالية وإشكالية التمدد الخارجي
ارتكزت العقيدة القتالية الإيرانية إلى مبدأ "تصدير الثورة"، الذي تحوّل من شعار إيديولوجي إلى سياسة عملية لتوسيع النفوذ في المشرق العربي والإقليم الأوسع، عبر أذرع متعددة للحرس الثوري وميليشيات مساندة. هذا التمدد الخارجي قلّل من احتمالات المواجهة المباشرة على الأراضي الإيرانية، وخلق شعوراً بالقدرة على التحكم بمساحة استراتيجية واسعة.
لكن هذا النهج جاء على حساب الدفاع الداخلي، إذ لم تُطوَّر مقاربة متكاملة لمواجهة تهديد مباشر على الأراضي الإيرانية، ما أدى إلى فجوة استراتيجية بين التمدّد وحماية الداخل، وجعل النظام عرضة لانكشاف متزايد أمام العمليات الاستخباراية والهجمات التي تطال صلب الدولة.
الاختراق الاستخباري وأثره على بنية الدولة
نجحت أجهزة استخبارات معادية، وفي مقدّمها الموساد الإسرائيلي، في اختراق مفاصل حساسة داخل الدولة الإيرانية، شملت قطاعات أمنية وسياسية وتكنولوجية ونووية. ومن أبرز هذه العمليات سرقة الأرشيف النووي المكوّن من 100 ألف ملف بوزن نصف طن تم إخراجه من مبنى الأرشيف المركزي في وسط طهران خلال فترة قياسية لم تتجاوز السبع ساعات، والتي كشفت حجم الثغرات في منظومة الحماية الداخلية، وأظهرت أن الاعتماد على القبضة الأمنية لم يكن كافياً لمنع تسرب معلومات استراتيجية عالية الحساسية.
هذا الاختراق لم يكن حدثاً معزولاً، بل مؤشراً إلى هشاشة بنيوية في مراكز القرار، حيث لم تُقابل هذه الضربات بمراجعة استراتيجية شاملة تعيد تقييم مستويات الاختراق، ما عمّق من حالة الانكشاف الداخلي المتمثل باغتيالات طالت أركان الدولة من عسكريين وأمنيين وعلماء ذرة وحرس ثوري وسياسيين كان آخرهم المرشد علي خامنئي.
الاستهداف المزدوج: الانكشاف الداخلي وأسر الجغرافيا
تواجه إيران اليوم تهديداً مزدوجاً يجمع بين الهشاشة الداخلية والقيود الجغرافية التي تحدّ من قدرتها على المناورة:
1. الانكشاف الداخلي:
لم تعد العمليات الاستخبارية والاغتيالات أحداثاً تكتيكية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية تستهدف تفكيك مركز القرار. وهذا يضع إيران أمام معادلة صعبة بين إدارة الصراع الخارجي وتأمين الداخل.
2. أسر الجغرافيا:
تعتمد إيران على تصدير الجزء الأكبر من نفطها عبر مضيق هرمز ومنشآت جزيرة خرج، ما يجعلها رهينة جغرافيا محددة. أي اضطراب في هذه العقد يشكّل تهديداً مباشراً لقدرتها على التصدير، ويحوّل الجغرافيا من عنصر قوة إلى قيد استراتيجي.
في هذا السياق، تبرز مؤشرات تصعيدية بالغة الدلالة، إذ يجري التداول داخل دوائر القرار الأميركي بخيارات تستهدف البنية النفطية الإيرانية، وفي مقدمها منشآت جزيرة خرج، بما في ذلك سيناريوهات تتراوح بين ضربات دقيقة أو فرض أشكال من السيطرة على عقد التصدير الحيوية.
وبغضّ النظر عن مدى تحقق هذه السيناريوهات، فإن مجرد طرحها يعكس تحوّلاً نوعياً في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد جغرافيا الطاقة ورقة ضغط بيد إيران، بل تحوّلت إلى نقطة استهداف استراتيجية يمكن استخدامها لإخضاعها اقتصادياً، ما يعمّق من حالة أسر الجغرافيا.
الداخل القومي وهشاشة الدولة الإيرانية
تتقاطع الضغوط الخارجية مع هشاشة البنية القومية والسياسية داخلياً. القوميات غير الفارسية، التي لم تُدمج بشكل فعال في صناعة القرار، تتحول إلى أدوات ضغط سياسية، تعكس ضعف النظام في إدارة التعددية. حماية الداخل لم تكن بمستوى التحديات، بل تحولت معظم الأحيان إلى قمع داخلي يزيد الانقسامات ويعمّق إحساس المكونات غير الفارسية بالتهميش.
غياب الإصلاح السياسي وإدماج القوميات الأخرى يجعل المستقبل الإيراني محفوفاً بخيارات صعبة: إما انفصالات عرقية أو أن تصبح الفيديرالية عنوان النضال الوطني للمكونات الإيرانية المتعددة ضمن إطار نظام لا مركزي ما يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويشكل تحدياً أمام استقرار النظام المركزي ويضع النظام أمام تحديات بنيوية عميقة.
الصراع مع الخليج: صدام النماذج لا صراع الحدود
يرتكز العدوان الإيراني على دول الخليج، التي تعرضت لاستهدافات مضاعفة مقارنة بتلك التي استهدفت إسرائيل والإنشاءات الأميركية في المنطقة، على هدف أعمق من المواجهة العسكرية. إنه عدوان على نموذج حياة في مجلس تعاون خليجي عربي قائم على:
• السلام والحوار والاستقرار الداخلي وحيوية تفاعلية مع الوافدين المقيمين.
• أنماط اقتصادية واجتماعية وثقافية متقدمة ومنفتحة على الثقافات الأخرى.
• التنمية المستدامة وحماية البيئة كمسار استراتيجي وصولًا إلى تحقيق الاقتصاد الأخضر.
• التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي كمرتكزات استراتيجية لثورة في أدوات الإنتاج الحديثة وأشكالها المعاصرة والمستقبلية.
كلها تمثل نموذجاً لدولة مضادة للنموذج الإيراني الذي التزم إيديولوجية دينيّة أمنية وأنماطاً إنتاجية بدائية أدّت إلى التصادم الإقليمي وللتخلف الاقتصادي وانتشار الفساد، باعتراف كبار أركان النظام. الهجوم إذن ليس مجرد أمن أو حدود، بل صراع حضاري واقتصادي وتكنولوجي وثقافي يحاكي المستقبل، ما جعله يستهدف دول الخليج العربي بهدف تقويض نموذج منافس، يُنظر إليه كعامل ضغط غير مباشر على الداخل الإيراني المقيد بغياهب التاريخ. من هنا، يصبح الصراع الراهن صراع نماذج بقدر ما هو صراع نفوذ.
إعادة تشكيل أمن الخليج العربي
أظهرت التطورات أن الأطر التقليدية، سواء العربية أم الدولية، لم تعد كافية لضمان أمن الخليج العربي. فآليات العمل الجماعي ضمن جامعة الدول العربية تعاني من قيود بنيوية، أبرزها اشتراط الإجماع، ما يحدّ من فاعليتها في الاستجابة السريعة لمتطلبات التدخل ومعالجة الأزمات الطارئة، فيما كشفت التحديات الراهنة أن ترتيبات الحماية الخارجية لم تعد كافية بمفردها لمواجهة تهديدات مركّبة متسارعة ومتغيرة.
في هذا السياق، يعود إلى الواجهة طرح إنشاء إطار دفاعي إقليمي أكثر تماسكاً، يُشار إليه في بعض الأدبيات الاستراتيجية بـ"الناتو العربي"، كصيغة محتملة لتطوير منظومة دفاع جماعي قادرة على التحرك بمرونة وفاعلية. وقد طُرحت تصورات أولية لنواة تضم دول الخليج العربي إلى جانب مصر والأردن، مع قابلية التوسع لاحقاً، بما يعكس توجهاً جدياً نحو بناء قوة إقليمية قادرة على حماية الأمن القومي العربي، ولا سيما في بعده الخليجي.
وتبرز في هذا الإطار مؤشرات إلى استعداد بعض الدول المحورية للانخراط العملي في مثل هذه الصيغة، حيث جرى التداول بتقديرات تشير إلى استعداد مصر للمساهمة بقوة عسكرية وازنة قد تصل إلى نحو 20 ألف مقاتل ضمن أيّ ترتيبات دفاع جماعي محتملة، وهو ما يعكس جدية متزايدة في الانتقال من مستوى إعلان نوايا و التنظير إلى البحث في هيكلية العمل التنفيذية وآلياته.
هذا الطرح، وإن كان لا يزال في طور التبلور، يعكس تحوّلاً في الوعي والتفكير العربي الاستراتيجي من الاعتماد على ترتيبات تقليدية إلى البحث عن هندسة أمنية إقليمية جديدة، تقوم على التكامل العملياتي، وتوحيد جزئي للقدرات، ورفع الجاهزية للاستجابة السريعة للتهديدات.
وهذا المسار، إن تبلور، لن يلغي خصوصية الدول المنضوية في أي إطار دفاعي عربي محتمل، بل سيقوم على مبدأ التوفيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي. ومن شأنه أن يتجاوز عملياً عقبة الإجماع المنصوص عليها في اتفاقية الدفاع العربي المشترك ضمن جامعة الدول العربية، والتي لطالما قيّدت القدرة على اتخاذ خطوات عملانية سريعة وفعّالة في مواجهة التهديدات التي قد تطال أي دولة عربية.
تطورات ميدانية محتملة: اختبار حافة الهاوية
بالتوازي مع المسارات العسكرية القائمة في منطقة الخليج العربي، تلوح في الأفق مؤشرات إلى توقعات جدية لتصعيد محتمل قد ينقل الصراع إلى مستوى غير مسبوق، إذ تتداول تقديرات استراتيجية سيناريوهات تتعلق بفرض ضغوط زمنية حادّة على إيران في ما يخصّ مضيق هرمز، مقابل التهديد باستهداف مباشر لمنشآت الطاقة الحيوية، على رأسها جزيرة خرج، مع طرح خيارات أكثر تصعيداً تصل إلى حد فرض السيطرة عليها لضبط صادرات النفط، ما يسمح للولايات المتحدة الأميركية بأن تصبح المشرف وناظم الإيقاع لتدفقات حاجات الصين إلى الطاقة .
هذه السيناريوهات، وإن بقيت في إطار التقدير أو الضغط الاستراتيجي، تعكس انتقالاً من منطق الردع المتبادل إلى منطق كسر الإرادة عبر استهداف الأعصاب الاقتصادية للدولة. كما تشير إلى أن أي تعطيل لمضيق هرمز قد يتحول من ورقة ضغط إلى مبرر لإعادة تشكيل السيطرة على الممرات الحيوية بالقوة.
السيناريوهات المستقبلية: من الردع إلى كسر الأعصاب الاقتصادية
في ضوء هذه التحولات، يمكن رسم ثلاثة مسارات إيرانية رئيسية:
1. مسار التكيّف الاستراتيجي:
إعادة صوغ العقيدة القتالية وتعزيز الدفاع الداخلي لحماية الدولة من الانكشافات وامتصاص مرحلي وموقت لترددات الحرب الأميركية الإسرائيلية على الداخل الإيراني وتفادي التصعيد الشامل.
2. مسار كسر الأعصاب الاقتصادية:
تصاعد الضغوط على البنية النفطية، بما في ذلك استهداف أو تعطيل عقد الطاقة، ما يضع الاقتصاد في قلب المواجهة.
3. مسار التآكل المركب: ضعف تدريجي في تماسك الدولة ووظائفها الحيوية، ما يزيد صعوبة الاستجابة مع الوقت لإصلاح بنية النظام واستعصاء كما الرفض القاطع لمشاركة القوميات الأخرى في صناعة القرار السياسي داخلياً وخارجياً، وتزامن الضغط الخارجي مع هشاشة داخلية متفاقمة، ما يؤدي إلى إضعاف تدريجي في بنية الدولة ووظائفها.
لم تعد القوة تُقاس بالتمدد الخارجي فقط، بل بمدى القدرة على حماية العقد الاستراتيجية في الداخل. وبين هرمز وخرج، تجد إيران نفسها أمام لحظة إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة، فيما تتجه دول الخليج العربي إلى تسريع بناء منظومات دفاع جماعي أكثر تكاملاً ومرونة، استعداداً لمرحلة إقليمية مفتوحة على احتمالات غير مسبوقة.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض