في يوم بشارتك: عذراً يا مريم أم المسيح
الشيخ محمد نقري
عذراً مريم أمَّ المسيح وأمَّنا جميعاً يا من أحبك المسلمون والمسيحيون كافة، عذراً أيتها الأم الجامعة الشفوقة الرحيمة الرّاعية الساهرة يا مريم المحبة، الممتلئة نعمة، والمصطفاة على نساء العالمين.
بالأمس كنا نهتف بالمحبة وتتعانق فيها تكبيرات الأذان مع صوت أجراس الكنائس، واليوم تطلين علينا وبلادنا تئنّ تحت وطأة الحروب والدمار والتفجيرات والتشريد والنزوح فأصبحنا نعيش في خوف من صراعات فتنوية مقيتة، تفقد بلادَنا ما تبقى من كرامتها وصيغتها الوطنية بعد أن فقد فيها مواطنوها أموالهم وأرزاقهم ومدخراتهم وبيوتهم وصحتهم وسمعتهم وعزّتهم وكبريائهم، فتوشحوا بلباس الفقر والعوز، والذل والهوان، وبات شبابنا يطرقون أبواب السفارات طلباً للهجرة، وأصبح أمل اللبنانيين تذكرة سفر بلا عودة، ومسكناً ولو مرقداً لعنزة في بلاد الغربة.
أراك أيتها العذراء حزينة، كأنك تصرخين على من بقي في قلبه وفكره ذرة إيمان وعقل وضمير وشفقة ورحمة من تجار الحروب والطامعين في الإستيلاء على مقدرات الشعوب وجعلنا لقمة صائغة تتناوشها الأطماع الإقليمية والدولية : الا يوجد بينكم رشيدٌ حكيمٌ ذو ضمير، ومصلحٌ عالمي ذو هيبة وسلطة وحسن تدبير، ألا يوجد فيكم من يعيد اليكم الأمن والسلام والوئام والإيمان والثقة ويقول لكم : أحذروا من الإقتتال بينكم واطفئوا نار الفتن عنكم وأثبتوا في وطنكم ولا ترحلوا فالأرض أرضكم والجبال جبالكم وسماء الرب تحتضنكم، وأرض الأنبياء تحرسكم.
نسمعك تقولين لنا في يوم بشارتك : فلتكن أيديكم أيها المسلمون والمسيحيون متشابكة، أجسادكم متعانقة، أكتافكم متعاضدة، صدوركم متلاقية، وجوهكم متقابلة، ألسنتكم متناغمة، أنوفكم شامخة، رؤوسكم مرتفعة، قلوبكم متآلفة ، أقدامكم في أرض الأرز ضاربة. في أعماق تربيتكم تجذّر فيكم احترام وإجلال لإنجيل يرنم ولقرآن يجود، وفي أعينكم تُرى صور آباء في كنيستهم قانتون عابدون ومشايخ في مساجدهم راكعون ساجدون، في مدنكم وأريافكم تسمعون أجراس الكنائس يتقارعون وأصوات المؤذنين يتناوبون، فمن مثلكم يضاهيكم في عيشكم المشترك الواحد إن شاح عنكم شبح الحروب والدمار، وإن التفتّم الى تضامنكم ووحدتكم وأبعدتم عنكم نار الفتن والحروب الداخلية.
مريم يا أمنا جميعاً مسلمين ومسيحيين، يا أمنا الجامعة لنا في المحبة، الحاضنة لنا في العطاء والتضحية والوفاء نسمعك تستصرخين فينا نحن أبناء الوطن الواحد وتطلبين منا أن نستنهض ونتعالى عن أطماعنا الشخصية والفئوية والطائفية ونضع ايدينا بأيدي بعض أخوة متحابين وشركاء وطن مؤمنين ومؤتمنين ، لبناء لبنان الأمل والرجاء لبنان النور والرسالة ، لبنان الحب والتآخي بين مسلميه ومسيحييه ، فهل لبينا هذا النداء وهذا الرجاء.
كل عام وبشارة مريم تجمعنا ومحبتها تضمّنا وبركتها تحفّنا جميعاً مسلمين ومسيحيين.
نبض