الصين المستفيد الصامت من الحروب

آراء 24-03-2026 | 04:15

الصين المستفيد الصامت من الحروب

بينما تنشغل الولايات المتحدة بحروب الشرق الأوسط، تحقق الصين مكاسب لا تظهر في العناوين، فبكين لا تخوض الصراعات، لكنها تعرف جيداً كيف تستفيد منها.
الصين المستفيد الصامت من الحروب
الرئيس الصيني شي جينبينغ. (أ ف ب)
Smaller Bigger

 بينما تنشغل الولايات المتحدة بحروب الشرق الأوسط، تحقق الصين مكاسب لا تظهر في العناوين، فبكين لا تخوض الصراعات، لكنها تعرف جيداً كيف تستفيد منها.

قرار تأجيل اللقاء بين القيادتين الأميركية والصينية لا يمكن النظر إليه كحدث عابر، فمثل هذه اللقاءات، في الظروف الطبيعية، تشكل منصات لإعادة ضبط العلاقات الثنائية وتخفيف الاحتقان، لكن في لحظة دولية متوترة، يتحول التأجيل إلى مؤشر على تعقيدات أعمق، بالنسبة لبكين، قد لا يكون التأجيل خسارة بقدر ما يمثل فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات، خاصة في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران التي يصعب التنبؤ بمساراتها، حتى اليوم.

تدرك القيادة الصينية أن أي تصعيد كبير في الشرق الأوسط لا يقتصر تأثيره على حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة. ومن هنا، فإن التريث في إدارة العلاقات مع واشنطن يمنح بكين مساحة أوسع لتقييم الموقف، بعيداً عن ضغوط اللقاءات السياسية التي قد تفرض مواقف علنية غير مرغوبة في توقيت حساس.

في المقابل، تضع الحرب مع إيران الولايات المتحدة أمام اختبار استراتيجي معقد، فواشنطن التي أعلنت مراراً أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تمثل أولوية قصوى، تجد نفسها مضطرة لإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية نحو الشرق الأوسط. هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية في العواصم الآسيوية حول مدى استدامة الالتزام الأميركي في المنطقة.

إعادة توجيه القدرات العسكرية، حتى وإن كانت مؤقتة، لا تمر دون تداعيات. فالدول التي تعتمد على المظلة الأمنية الأميركية قد تبدأ في مراجعة حساباتها، خاصة إذا شعرت بأن أولويات واشنطن تتغير وفقاً لتطورات بعيدة جغرافياً عنها. هذا الشعور، حتى لو كان جزئياً، يخلق فراغاً نفسياً واستراتيجياً يمكن أن تستثمره قوى أخرى، وعلى رأسها الصين.

بكين، التي لطالما تجنبت المواجهة المباشرة، تجيد استثمار مثل هذه اللحظات. فهي لا تسعى إلى ملء الفراغ بطريقة صدامية، بل تعتمد على أدوات أكثر نعومة، مثل توسيع الشراكات الاقتصادية وتعميق الاعتماد المتبادل مع دول المنطقة، ومع تزايد الشكوك حول استقرار الالتزامات الأميركية، قد تجد بعض الدول الآسيوية في الصين شريكاً أكثر قابلية للتنبؤ، حتى وإن لم يكن بديلاً كاملاً، وهذا ما قد لا تقوله العواصم الآسيوية علناً، لكنه حاضر في حساباتها.

في البعد الاقتصادي، تحمل الأزمة أبعاداً لا تقل أهمية، فالتوترات في الشرق الأوسط غالباً ما تنعكس على أسعار الطاقة، وهو ما يضع الاقتصادات الآسيوية، المعتمدة بشكل كبير على واردات النفط، أمام تحديات إضافية. غير أن الصين، بحكم حجمها وقدرتها على التخطيط طويل الأمد، قد تكون أكثر قدرة على امتصاص هذه الصدمات، بل وربما تحويلها إلى فرصة لتعزيز موقعها.

ارتفاع أسعار النفط، على سبيل المثال، قد يضغط على العديد من الاقتصادات، لكنه في الوقت ذاته يدفع نحو تسريع التحولات في سياسات الطاقة. الصين، التي استثمرت بشكل كبير في تنويع مصادرها، قد تجد نفسها في موقع أفضل مقارنة بغيرها، ما يمنحها ميزة نسبية في مرحلة تتسم بعدم اليقين.

إلى جانب ذلك، فإن انشغال الولايات المتحدة بملفات الشرق الأوسط يمنح بكين هامش حركة أوسع في محيطها الإقليمي، هذا لا يعني غياب المنافسة، لكنه يخفف من حدة الضغوط المباشرة، ويفتح المجال أمام تحركات تدريجية تعزز النفوذ الصيني دون إثارة حساسيات حادة.

مع ذلك، لا يمكن القول إن الصين تنظر إلى التصعيد باعتباره مكسباً صافياً. فالفوضى الواسعة في الشرق الأوسط لا تخدم مصالحها، خاصة إذا ما أدت إلى اضطرابات حادة في الأسواق أو تهديد طرق التجارة. لذلك، تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق، الاستفادة من تداعيات الانشغال الأميركي، دون الانزلاق إلى تبعات عدم الاستقرار.

هذا التوازن يعكس جوهر المقاربة الصينية في إدارة الأزمات الدولية. فهي لا تسعى إلى قيادة المشهد من خلال المواجهة، بل عبر إعادة التموضع المستمر، مستفيدة من أخطاء الآخرين وانشغالاتهم. وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، قد يكون هذا النهج أقل كلفة وأكثر استدامة.

تكشف التطورات الأخيرة عن ملامح مرحلة جديدة في التنافس الدولي، حيث لا تُقاس القوة فقط بقدرة الدول على خوض الحروب، بل أيضاً بمهارتها في تجنبها، وبينما تتجه الأنظار إلى ساحات التوتر المباشرة، تعمل الصين بهدوء على تعزيز موقعها، مستفيدة من كل تحول يعيد تشكيل موازين القوى.

يبقى القول، قد لا تكون بكين الطرف الأكثر حضوراً في العناوين اليومية، لكنها بلا شك من أكثر الأطراف قدرة على قراءة ما بين السطور. وفي زمن الاضطراب، قد يكون الصمت المدروس أداة نفوذ لا تقل فعالية عن القوة الصلبة.

*باحث ومستشار سياسي 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
لبنان 3/22/2026 11:45:00 PM
يوجد 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل...
هدّد ترامب السبت بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح طهران بالكامل مضيق هرمز
لبنان 3/22/2026 11:00:00 PM
أعلن صفا أن الحزب نجح في معالجة الخروقات الأمنية والتكنولوجية التي عانى منها في الحروب السابقة وتوعد بـ "مفاجآت" ميدانية.