لبنان بين إرث النظام المالي وخطر الزوال: من اقتصاد ريعي إلى لحظة القرار
ميراي شدياق الحاج - عضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي
بدأ الدور المالي للبنان يتبلور بوضوح في سبعينيات القرن الماضي، حين أدت صدمة أسعار النفط عام 1973 إلى تدفق فوائض "البيترودولار" من دول الخليج نحو بيروت، التي تحولت إلى مركز مالي إقليمي بفضل قوانينها الليبرالية، وحرية حركة رؤوس الأموال، وسرية النظام المصرفي، وموقعها الاستراتيجي المفتوح على الشرق والغرب. وقد عززت هذه العوامل جاذبية النظام المالي اللبناني لرؤوس الأموال الأجنبية بشكل كبير، بما في ذلك الأموال النفطية الخليجية. وتشير الدراسات إلى أن النسبة بين ودائع البنوك والناتج المحلي قفزت بشكل حاد خلال أوائل السبعينيات، حيث تجاوزت 122٪ من الناتج الوطني في عام 1974، وهو مؤشر قوي على ضخامة التدفقات المالية وعدم ارتباطها بالنشاط الإنتاجي الفعلي للاقتصاد اللبناني قبل اندلاع الحرب الأهلية. هذا الواقع أظهر أن النظام المالي اعتمد منذ البداية على الاقتصاد الريعي والودائع الأجنبية، بدلاً من تمويل الإنتاج المحلي المستدام، وهو ما أسس لهشاشة هيكلية انعكست لاحقًا في الأزمات المالية التالية.
بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990، أعيد بناء هذا الدور ضمن نموذج اقتصادي قائم على الدين وتثبيت سعر الصرف، حيث استُخدمت أسعار الفائدة المرتفعة لجذب الودائع. توسع القطاع المصرفي بشكل كبير وأصبح محور الاقتصاد، فيما اعتمدت الدولة على التدفقات الخارجية لتمويل عجزها. ورغم الصدمات المتتالية، استمر النموذج بالعمل بفضل تحويلات المغتربين التي بلغت مستويات قياسية، ما أخفى هشاشة بنيوية عميقة.
وكما سبق وأشرنا، فإن هذا النموذج كان في جوهره اقتصادًا ريعيًا غير إنتاجي، قائمًا على تدفقات الأموال والخدمات بدل الإنتاج الحقيقي. ومع تراجع الثقة وتوقف التدفقات، انهار هذا النظام عام 2019، ليدخل لبنان واحدة من أشد الأزمات المالية عالميًا، بانكماش الاقتصاد نحو أربعين بالمئة، وفقدان العملة لمعظم قيمتها، وارتفاع حاد للتضخم، وخسائر مصرفية تجاوزت 70 مليار دولار. فترات الاستقرار الطويلة قبل عام 2019 على الإفراط في المخاطر، إذ استُخدمت أسعار الفائدة المرتفعة لتشجيع الودائع، وانتقل التمويل من نمط مستقر إلى مضاربي، ثم إلى نظام يشبه مخطط بونزي، ما خلق تضخمًا ماليًا منفصلًا عن الاقتصاد الحقيقي وعمّق هشاشة القطاع المصرفي غير الإنتاجي. وعند توقف التدفقات، انهار النظام بالكامل، لتنكشف خسائر ضخمة تُحمّل جزءًا منها للمودعين عبر التضخم والقيود غير الرسمية على السحوبات.
وانفجرت "الفجوة المالية" التي تُقدّر بنحو 80 إلى 83 مليار دولار، كنتيجة لنموذج مصرفي اعتمد على توظيف ودائع المودعين في سندات الدولة وودائع ضخمة لدى مصرف لبنان، إضافة إلى هندسات مالية عالية المخاطر، ما جعل المصارف شريكًا أساسيًا في تكوين الأزمة وليس مجرد ضحية. ومع تخلّف الدولة عن سداد ديونها في مارس 2020، حين امتنعت عن دفع استحقاق من سندات اليوروبوند بقيمة نحو مليار ومئتين مليون دولار ضمن إجمالي دين يقارب واحد وثلاثين مليار دولار، مضاعفةً للأزمة، فقد دخل لبنان رسميًا في حالة تعثّر سيادي، نتيجة مباشرة لاستنزاف احتياطيات مصرف لبنان وتراجع تدفقات الرساميل وعجز الدولة عن خدمة دينها الخارجي دون تهديد القدرة على تمويل الاستيراد الأساسي.
اليوم، يواجه لبنان أزمة مركبة: اقتصاد ريعي غير إنتاجي، نظام مصرفي هش، احتياطيات محدودة، فجوة مالية هائلة، وتدهور ثقة بين الدولة والمواطنين، ناهيك عن حرب استدرج إليها، مما زاد الضغط على المالية العامة، البنى التحتية، النشاط الإنتاجي والتحويلات الخارجية، فجعل تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية صعبًا دون حد أدنى من الاستقرار الأمني وبيئة مؤسساتية مستقرة.
في هذا السياق، يقترح بعض الاقتصاديين تسييل جزء من الذهب لتوفير سيولة فورية. فالعين منذ زمن على احتياطي الذهب الذي يبلغ نحو 286 طنًا، والذي قدّرت قيمته بنحو 47,7 مليار دولار أمريكي في أوائل عام 2026، كأحد آخر الأصول الاستراتيجية للدولة. إلا أن التجارب الدولية أظهرت أن بيع الأصول الاستراتيجية في ظروف مشابهة غالبًا ما يؤدي إلى تآكل الثقة وعدم استقرار النظام المالي، خصوصًا في بيئات ضعيفة الحوكمة ومرتفعة الفساد، كما هو الحال في لبنان بحسب مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية. لذلك، يُفضل استخدام الاحتياطي كضمان ضمن برامج تمويل دولية أو آليات إعادة هيكلة منظمة، مع تطبيق أعلى معايير الشفافية والمساءلة، بما يحفظ الأصل السيادي ويتيح تأمين السيولة دون خصخصة الخسائر أو تحميلها اجتماعيًا.
من هذا المنطلق، يمكن النظر في بعض الحلول العملية الممكنة، مثل:
إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق نموذج إنتاجي يموّل القطاعات الحيوية كالطاقة والزراعة والصناعة الصغيرة والمتوسطة.
توزيع الخسائر بشكل عادل بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمودعين وفق أطر صندوق النقد الدولي.
تعزيز الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد لضمان جدوى الإصلاحات وجذب التمويل الدولي.
استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، بما فيها الذهب، كضمان ضمن برامج تمويل دولية أو إعادة إعمار منظمة، مع مراعاة أعلى معايير الشفافية والمساءلة.
تحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي عبر حوافز ضريبية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ضمان استمرارية التحويلات الخارجية والدعم الدولي لتوفير سيولة قصيرة المدى مرتبطة بخطط إعادة بناء الاقتصاد طويل المدى.
قد يقول البعض إن هذه الحلول بلا جدوى في الوضع الحالي، إلا أنها لازمة وتتطلب ترتيب أولويات التنفيذ بما يتناسب مع ظروف الحرب الحالية. فالإصلاح البنيوي لا يبدأ إلا عند وجود حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي، والشفافية ومكافحة الفساد ليست رفاهية، بل شروط أساسية لجذب التمويل والاستثمار. كل تأخير في اتخاذ القرارات الإصلاحية أو السياسية يقوّض قدرة لبنان على الصمود ويزيد تكلفة التعافي . و قد يشير بعض المراقبين إلى أن فرصة إجراء إصلاح شامل قد تكون ضاعت بالفعل نتيجة الجمود السياسي، وتداعيات الحرب، وغياب الإرادة، ما يزيد من مخاطر مزيد من الانهيار أو إعادة ترتيب خارجي في المستقبل. ومن هنا، تصبح الحلول جزءًا من معادلة أشمل تشمل وقف النزاع، واستعادة الأمن النسبي، وخوض مفاوضات دولية لإعادة بناء الثقة، وليس مجرد إصلاحات اقتصادية تقنية.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو عامل الوقت، إذ دخلت المنطقة بأسرها مرحلة إعادة تشكيل، ولبنان ليس بمنأى عنها. أي تأخير في اتخاذ القرار لا يعني فقط تفاقم الأزمة، بل يهدد أيضًا إعادة تحديد موقع لبنان الاقتصادي والسياسي على الصعيد الخارجي. المشكلة اليوم ليست في غياب الحلول، بل في استمرار الانتظار، فالاقتصاد الحالي ليس اقتصادًا فعليًا، بل نظام بقاء هش، وكل يوم تأخير يقرّب البلاد من لحظة انهيار هذا التوازن.
لبنان لا يحتاج إلى تشخيص اضافي، بل إلى قرار سياسي واقتصادي واستراتيجي شامل، يعيد توازن الدولة والمجتمع ويؤسس لاستقرار حقيقي، بعيدًا عن الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية أو الحلول المؤقتة. كل يوم تأخير يقرب البلاد من انهيار كامل ويجعل التعافي أكثر كلفة وتعقيدًا.
نبض