الخليج بعد الحرب: إدارة المخاطر وصياغة التّوازنات الجديدة

آراء 20-03-2026 | 17:40

الخليج بعد الحرب: إدارة المخاطر وصياغة التّوازنات الجديدة

أدارت دول مجلس التعاون الخليجي تحديات استهدافها بكفاءة عالية على مختلف المستويات.
الخليج بعد الحرب: إدارة المخاطر وصياغة التّوازنات الجديدة
أبنية في الرياض (أ ف ب).
Smaller Bigger

واجهت دول مجلس التعاون الخليجي في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تحديات غير مسبوقة. الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الاعتداء على دول الخليج بهدف رفع كلفة الحرب ودفع قادة هذه الدول للضغط على الرئيس الأميركي لوقف الحرب لم تُؤتِ ثمارها. تُدير هذه الدول العدوان الإيراني عليها بحكمة استثنائية، من خلال عدم الانخراط مع التحالف الأميركي-الإسرائيلي في الحرب، مقابل ممارسة حقها السيادي باستخدام وسائل الدفاع الجوي فيها لرد هذا العدوان. ولا شك بأن الدروس المستفادة من هذه الحرب ستكون كبيرة، بدءاً من تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه تفاجأ بالردود الإيرانية على دول الخليج، مروراً بالعدوان الإيراني نفسه، وصولاً إلى استراتيجية ما بعد الحرب بما يتلاءم مع السيناريوهات المتوقعة أو المحتملة.

كفاءة عالية في إدارة التحديات

أدارت دول مجلس التعاون الخليجي تحديات استهدافها بكفاءة عالية على مختلف المستويات. على مستوى العلاقات البينية بين قادة هذه الدول، ظهرت الإرادة القوية على التواصل السياسي والقفز فوق الخلافات والتباينات، وقد شكّلت مبادرة ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، الاتصال بقادة هذه الدول في بداية الحرب مفتاحاً مهماً في هذا المجال. وشكّل نجاح الديبلوماسية الخليجية في حشد الجهود الدولية في مجلس الأمن لاستصدار قرار يُدين العدوان الإيراني عليها ويطلب من طهران وقف الاعتداءات عليها خطوةً استراتيجيةً مهمةً على طريق مواجهة هذه التحديات دون الانخراط في الحرب مباشرةً.


الكفاءة السياسية والديبلوماسية جاءت لتُكمل التنسيق الدفاعي والأمني الفعّال على مستوى هذه الدول، التي استخدمت وسائل دفاعها الجوي بكفاءة عالية، مقابل الاستجابة السريعة لمؤسساتها الأمنية والمدنية. إذ استمرت هذه المؤسسات بتقديم كل الخدمات، وظهر لديها أنظمة مرنة وفعّالة وقدرة استثنائية على التكيّف مع التحديات.


واجهت دول الخليج حرب الطاقة عليها باستراتيجية متكاملة، من حماية منشآتها النفطية إلى البحث السريع عن بدائل في ضوء إقفال الحرس الثوري لمضيق هرمز. وقد شكّل تفعيل خط أنابيب النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع أحد البدائل التي ستكون في قلب استراتيجية دول مجلس التعاون في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا المجال، شكّلت الجغرافيا السعودية ومرافئها على البحر الأحمر العمق الاستراتيجي لدول الخليج في تأمين سلاسل التوريد، الأمر الذي سيكرّس دوراً جيوسياسياً كبيراً لهذه الجغرافيا في الخطوط البديلة في العقود المقبلة.

التوازنات الجديدة 

واجه النموذج الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، القائم على الاستقرار والأمن، تحديات كبيرة. ومن المتوقع أن تلعب هذه التحديات دوراً أساسياً في البحث عن سبل تعزيز هذا النموذج وتأمين استقراره في ضوء تحديات المستقبل القريب والبعيد. تتوقف تحديات ما بعد الحرب واستراتيجية مواجهتها على نتائج هذه الحرب التي انتقلت حالياً إلى حرب الطاقة، بعدما تمكن التحالف الأميركي-الإسرائيلي من تدمير معظم قدرات إيران العسكرية والأمنية والصناعية.

 

لا أحد يستطيع استباق نتائج الحرب، لكن يمكن قراءة التحديات التي ستواجه دول الخليج العربي من خلال السيناريوهات المحتملة، ومنها استمرار النظام في إيران رغم حجم التدمير الذي طال قدراته العسكرية والأمنية والصناعية. هذا السيناريو يطرح على دول الخليج تحديات مركّبة ومتشابكة بين الأمن والاقتصاد والسياسة، ويمكن تصورها ضمن أربع دوائر رئيسية:

 

الدائرة الأمنية المتعلقة بالصواريخ الباليستية والمسيّرات، والخلايا النائمة التابعة للحرس الثوري، وأمن الممرات المائية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

 

الدائرة الاقتصادية المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، وتأمين سلاسل التوريد، والذهاب إلى مزيد من التنوع الاقتصادي.

 

الدائرة الثالثة تحدياتها ذات طبيعة جيوسياسية، لأنها تتعلق بإعادة تركيب النظام الإقليمي، وسياسات الخليج التي تجمع بين بقاء المظلة الأميركية وتعزيز العلاقات مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.وصياغة تحالف سعودي  مصري تركي في مواجهة الهيمنة الإسرائيلية المحتملة على المنطقة والتطبيع المجاني.  

 

وفي الخلاصة، فإن هذه التحديات والسياسات التي ستنجم عنها بعد نهاية الحرب ترتبط جميعها بالوضع الذي ستكون عليه إيران بعد الحرب.

 

ويبدو أن الحسم المنتظر في الأسابيع المقبلة في مضيق هرمز سيرسم معالم المرحلة المقبلة التي ستشهد إما تراجع النظام الإيراني والرضوخ للقنوات الديبلوماسية، أو استكمال المواجهة المفتوحة ورفع الأثمان على الجميع. 

 

أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
العالم العربي 3/19/2026 6:55:00 PM
6 لبنانيين في لائحة "فوربس" لأثرياء العالم 2026… والثروات العالمية تقفز إلى 20.1 تريليون دولار
الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.