ماذا يريد العالم من هرمز والخليج؟ ومن الرابح ومن الخاسر؟

اقتصاد وأعمال 19-03-2026 | 15:51

ماذا يريد العالم من هرمز والخليج؟ ومن الرابح ومن الخاسر؟

الولايات المتحدة، رغم أنها باتت أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، لا تزال ترى في أمن مضيق هرمز عنواناً للهيمنة الدولية التي بنتها منذ  سبعينيات القرن الماضي.
ماذا يريد العالم من هرمز والخليج؟ ومن الرابح ومن الخاسر؟
ناقلة نفط في مياه الخليج
Smaller Bigger


الأحداث الكبرى لا تكتفي بإرباك الحاضر؛ هي تُعيد رسم المستقبل. جائحة كوفيد لم تكن مجرد أزمة صحية، بل غيّرت نماذج العمل، وأعادت هيكلة سلاسل الإمداد، وأفرزت اقتصاداً رقمياً لم يكن أحد يتوقع هذا الانتشار السريع له. إغلاق مضيق هرمز اليوم من هذا النوع من الأحداث؛ حدث تنتظره أسواق الطاقة منذ عقود، يحدث أخيراً، وحينما يقع فإنه لن يمر من دون أن يترك أثراً دائماً في كيفية تفكير العالم في أمن الطاقة، وفي موقع الخليج من معادلة القرن الحادي والعشرين. 

المضيق الذي يمر عبره 17-20 مليون برميل يومياً – أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك النفط العالمي و22% من تجارة الغاز المسال – أصبح اليوم أداة ابتزاز جيوسياسي مفتوح، وتبعاته تتراوح تقديرياً بين 330 مليار دولار من الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا انتهى الإغلاق سريعاً، وبين 2.2 تريليوني دولار في حال استمر بين ثلاثة وستة أشهر. هذه ليست أرقاماً نظرية، بل هي التكلفة التي تدفعها البشرية مقابل إغفالها لعقود أن أمن الطاقة لا ينفصل عن أمن الممرات البحرية.


الصين وأميركا… أمن الطاقة قبل كل شيء

الصين استوردت في 2025 ما يزيد على 11 مليون برميل يومياً، القسم الأكبر منها بحراً وعبر المضائق الدولية، ويُشكّل الخليج وحده مصدر ما يقارب نصف هذه الواردات. بالنسبة إلى بكين، هرمز ليس ممراً ملاحياً فحسب، بل هو الرئة التي تتنفس منها صناعتها وأمنها الغذائي وأهدافها التنموية. لذلك تتعامل الصين مع الأزمة بهدوء حسابي: تنويع المصادر بين الخليج وروسيا وإيران، وتعميق العقود الطويلة الأمد مع دول الخليج، مع الحفاظ على مسافة ديبلوماسية تتيح لها ألًا تنحاز علناً في صراع بين واشنطن وطهران يضرها طرفاه.

الولايات المتحدة، رغم أنها باتت أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، لا تزال ترى في أمن مضيق هرمز عنواناً للهيمنة الدولية التي بنتها منذ  سبعينيات القرن الماضي. ما تريده اليوم مزدوج: تعطيل كافٍ يبرر بقاء الأسطول الأميركي في المنطقة ويُضعف إيران اقتصادياً وسياسياً، واستقرار كافٍ يمنع صدمة نفطية تُلهب التضخم في الداخل الأميركي وتُحرج الإدارة أمام الناخبين. على هامش ذلك، تستثمر واشنطن الأزمة لتسويق صادراتها من الغاز المسال إلى أوروبا وآسيا كبديل "أكثر أماناً" من إمدادات المنطقة، وهو ما يعني، عملياً، أن كل يوم تمتد فيه الأزمة يضيف حصصاً سوقية جديدة لشركات الطاقة الأميركية.


إيران وإسرائيل وروسيا… من يربح فعلاً؟

إيران لا تريد إغلاقاً كاملاً ودائماً، بل "خنقاً متدرجاً" أبقت 14.8 مليون برميل يومياً محاصرة من دون مسارات تصدير واضحة، وأوصلت أسعار التأمين البحري لناقلات الخليج إلى مستويات تفوق ما كانت عليه بنسبة تتراوح بين 300 و500%. الهدف الاستراتيجي لطهران هو ربط ملف أمن الطاقة العالمي بأمنها ووجودها، وإجبار واشنطن وتل أبيب على حساب كلفة كل تصعيد بالدقيقة، وليس فقط بالدبابة والطائرة.

إسرائيل تستثمر الأزمة لتعميق ترتيبات الأمن الإقليمي، وتوسيع حضورها في المنظومات الدفاعية في المنطقة، بينما تبقى العين على توسعة نفوذها وإيقاف البرنامج النووي الإيراني كهدف جوهري. أما روسيا فهي المستفيد الهادئ الأكبر: كل ارتفاع مستدام فوق سعر التوازن يعوّض خصومات العقوبات على نفطها وغازها، ويُحقن مباشرة في موازنة الحرب في أوكرانيا. لم تُغلق موسكو مضيقاً، ولم تُطلق صاروخاً واحداً نحو الخليج، لكنها تجني يومياً ثمار الحريق الذي أشعله الآخرون.


أوروبا… قوة اقتصادية وعجز استراتيجي

أوروبا هي المفارقة الكبرى في هذا المشهد: تستورد الطاقة من الجميع، ولا تؤثر في أحد. أسعار الغاز الأوروبي (TTF) ارتفعت بنسبة 180% منذ بدء الصراع، وهي تناقش اليوم آليات "نموذج البحر الأسود" لفتح الممر ديبلوماسياً، بينما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس صراحةً أنه "لا توجد رغبة" في توسيع صلاحيات البعثة البحرية الأوروبية عند هرمز. الأمر الأكثر إحراجاً أن الحل الأوروبي الوحيد القابل للتنفيذ فعلياً في حال استمر الإغلاق هو العودة بصورة أو بأخرى إلى الغاز الروسي الذي أنفقت بروكسيل سنوات وأموالاً طائلة لتقليص الاعتماد عليه. أوروبا، اختصاراً، تدفع ثمن غياب استراتيجية طاقة تمتلك فيها الإرادة والأدوات معاً.


الخليج… الخاسر رغم الأرقام

تبدو الأرقام خادعة. صحيح أن أسعار النفط تجاوزت 100 دولار للبرميل. وبلغت أكثر من 150 دولاراً لخامات مثل عمان أو الكويت، لكن 14.8 مليون برميل يومياً محاصرة من دون مسارات تصدير فعلية، ودول المنطقة تخسر ما يزيد على 745 مليون دولار يومياً من عائدات النفط والغاز، فيما تراجعت أسواق الأسهم الخليجية ما بين 15 و35% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ارتفاع السعر لا معنى له حينما لا تستطيع تصدير ما لديك.

السعودية تملك متنفساً جزئياً عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي تسعى أرامكو لتشغيله بطاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً نحو ينبع على البحر الأحمر. لكن الكويت وقطر والإمارات وبقية المنتجين الخليجيين لا يملكون شبكة مماثلة متكاملة، ما يجعل صادراتهم رهينة القرار في طهران. فوق ذلك، أكثر من 30 مليون شخص في الخليج يعتمدون على محطات تحلية المياه القريبة من الساحل، وجميعها في مدى الطائرات المسيّرة الإيرانية. بينما لا تزال محطات التحلية في البحر الأحمر تزود باقي السعودية بعيداً عن أي هجمات محتملة.


ما الذي يجب أن يريده الخليج من هرمز؟

ثمة درسان يجب استيعابهما من هذا الحدث التأسيسي. الأول: الحديث عن عالم "ما بعد النفط" وهم مُكلف. وكالة الطاقة الدولية، حتى في سيناريواتها الرسمية المعتمدة على السياسات الفعلية لا على الأمنيات، تتوقع أن يرتفع الطلب على النفط حتى 2050، مع بقاء الوقود الأحفوري في صلب مزيج الطاقة العالمي. ما أثبتته أسابيع من الإغلاق هو أن أمن الطاقة لا يُبنى على الخطب، بل على الأنابيب والناقلات والمنشآت والجيوش.

الثاني: المنطقة تحتاج إلى هندستين معاً لا واحدة. هندسة البنية التحتية: توسيع خطوط الأنابيب نحو البحر الأحمر وبحر العرب، ربط المنظومات الخليجية ببعضها بعضاً، وإنشاء طاقة تخزين إستراتيجية تمنح هامش المناورة عند الأزمات. وهندسة الأمن: تنسيق عسكري خليجي فعلي بدفاع جوي وبحري مشترك، لأن بقاء منظومة تحكم طهران عبر مرشد قوي وحرس ثوري عقائدي يعني أن الخطر بنيوي لا ظرفي.

العالم يحتاج إلى الخليج، وسيظل كذلك. السؤال هو ما إذا كان الخليج سيستثمر هذه الأزمة التأسيسية ليكتب قواعده في معادلة الطاقة العالمية، أم يكتفي بانتظار انتهائها والعودة إلى ما كان.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
العالم العربي 3/19/2026 6:55:00 PM
6 لبنانيين في لائحة "فوربس" لأثرياء العالم 2026… والثروات العالمية تقفز إلى 20.1 تريليون دولار
الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.