الأسباب المُعلنة للحرب تُحاصر نهاياتها
ربما تكون الحرب الدائرة قد وصلت إلى مكانٍ لم يتوقع أطرافها الوصول إليه، ومنسوب أضرارها ارتفع إلى حدود كبيرة جداً، وتداعياتها فاقت كُل تصوّر. والذين بدأوا ضرب إيران ومنشآتها الحيوية، أصبحوا أسرى إعلاناتهم السابقة، أو التي رافقت أيامها الأولى، ولم يعُد بإمكانهم توقيفها من دون تحقيق أهدافهم، أو نصف هذه الأهداف على أقل تقدير، بينما إيران التي تعاطت بترفٍ مُبين إبان مفاوضات مسقط وجنيف، أدركت هول الكارثة، وقد خانتها ميكيافيليتها المُتقدمة هذه المرة، ولم تُبرِّر الغاية المرجوة عدم تناسُب الوسيلة المستخدمة. وهي دفعت فاتورة غالية جداً حتى الآن من دون معرفة مآلات الحرب ونهاياتها الميدانية والسياسية، حيث أرقام الفاتورة مُرشحة للارتفاع أكثر بعد.
الأهداف المُعلنة للحرب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت في ضرورة تحرير الإيرانيين من نظام ارتكب جرائم وموبقات عديدة، ثُمَّ تدمير البرنامج النووي الذي كان قاب قوسين أو أدنى ليتحوَّل إلى كابوس عسكري ودفاعي، وتوقيف مسار صناعة الصواريخ الباليستية الآخذ بالتطور.
أما إسرائيل الشريك الثاني في الحرب على إيران، فيهمها تقويض القوة العسكرية الإيرانية الواعدة، خصوصاً منها الصاروخية والمشروع النووي غير السلمي. ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مهتم بتحقيق انتصار على منافس استراتيجي مهم في المنطقة، لفتح الطريق أمام مشاريعه الإنفلاشية الخطيرة، وهو سيستفيد من الانتصار في حملته الانتخابية خلال الأشهر المقبلة من هذه السنة، بل ربما كان يتربَّص شراً بلبنان، وبما تبقى من سلاح لدى "حزب الله". وهو أُُعطيَ الذريعة الدامغة لتنفيذ عدوانه بعد إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل في اليوم الثاني من الحرب.

فشلت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في كسب عطف الرأي العام العالمي، ولقيت فعلتهم العدوانية إدانة من الأخصام التقليديين في الصين وروسيا، وعدم تعاون من الحلفاء في الناتو وفي اليابان وكوريا الجنوبية. كذلك أخفقوا حتى الآن في تقويض النظام القائم في طهران، برغم نجاحهم في اغتيال أبرز قياداته، وفي المقدمة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.
وتكاد تكون المرة الأولى في تاريخ التدخلات العسكرية الخارجية الأميركية، التي تبدو واشنطن فيها وحيدة في ميدان المعركة، رغم طلباتها المتكررة من الحلفاء تقديم العوُن لها. ولهذه الوضعية الأميركية غير المُريحة أسباب وجيهة، قد يكون أبرزها تجاهل إدارة الرئيس ترامب للحلفاء في "الأطلسي"، وعدم التنسيق معهم قبل شنّ الحرب على إيران. وهؤلاء من حقهم أن يكونوا على اطلاع على كل حيثيات الحرب وأهدافها، ولا يجوز أن تكون مهمتهم محصورة في المشاركة بحماية ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز الذي أُقفل بسبب التهديدات الإيرانية.
يمكن التسليم بصوابية بعض التحليلات، التي تقول إن ايران لم تُساعد في تجنُّب وقوع الحرب؛ واللغة التهديدية القاسية التي استخدمها المرشد الراحل وفريقه، لم تكُن متناسبة مع حساسية الوضع، بمعنى أنها تفتقر إلى ديبلوماسية حافة الهاوية، أو أنها لم تراعِ خطورة الموقف. وكان بإمكان طهران تقديم بعض التنازلات التي تحول دون وقوع الكارثة. لكن إيران لا تتحمَّل مسؤولية اندلاع هذه الحرب. وخرق القانون الدولي العام، وإطلاق حرب لا تتمتع بمشروعية، أو أنها لم تحصل على إجماع دولي، تتحمَّله الإدارة الأميركية وإسرائيل، من دون أن تُبرر الخشونة التفاوضية الإيرانية الدخول في مثل هذه الحرب على الإطلاق. وهذه المقاربة يتبناها حلفاء كثيرون لواشنطن، ويقولها أخصامها أيضاً. وواشنطن تجاهلت مجلس الأمن الدولي وأغلب القوى الفاعلة في العالم، حيث كان يمكن تحقيق خرق يوقف طموحات إيران النووية، ويمنعها من استكمال تطوير صواريخها الباليستية المتطورة، ويحاصر قدرتها على إمداد حلفائها أو "الأذرع" بالمال والسلاح بالوسائل القانونية والديبلوماسية.
من المؤكّد وجود أهداف استراتيجية لواشنطن ولتل أبيب غير مُعلنة، يطمحون لتحقيقها من وراء هذه الحرب الضروس. ولعلَّى أبرزها تثبيت هيمنة مطلقة على المنطقة العربية، بما تمثله من مكانة استراتيجية في الجغرافيا، وفي مخزونات الطاقة. والهيمنة الأحادية عليها تعني تهديد أمن جنوب أوروبا، ومحاصرة طريق الحرير الصينية، إضافة الى تحقيق طموحات دينية مُعلنة، ولو كانت هذه الطموحات تستند إلى أوهام ميثولوجية واهية.
مطلقو الحرب كما المستهدفون منها أصبحوا أسرى شعاراتهم التي سبقت بدء العلميات العسكرية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض