البعد الاستراتيجي لاستهداف جزيرة خرج: تداعيات تتجاوز إيران إلى العالم
بعد الهجوم الذي شنّه الجيش الأميركي قبل أيام على منشآت عسكرية في جزيرة خرج جنوب إيران، شبّه العاملون في المنشآت النفطية الإيرانية ما جرى بـ"زلزال مستمر"، لم يقتصر تأثيره على قاعدة عسكرية تابعة للحرس الثوري في الجزيرة، بل هزّ أيضاً القلب النابض للاقتصاد الإيراني وترك تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي.
بالتوازي، نُشرت تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة قد تسعى للسيطرة على مضيق هرمز وتأمين مرور ناقلات النفط، بل وربما تخطط للسيطرة على جزيرة خرج نفسها. وسواء نفّذت واشنطن هذه الخطط أم لا، فقد تحوّلت الجزيرة إلى بؤرة توتر عسكري يمكن أن تحدد مستقبل الطاقة في المنطقة والعالم لسنوات مقبلة.
جزيرة صغيرة بثقل اقتصادي هائل
تبلغ مساحة جزيرة خرج نحو 8 كيلومترات مربعة، وتُصدّر يومياً نحو 1.7 مليون برميل من النفط الخام، ما يؤمّن ما بين 90 و95 في المئة من إجمالي الإيرادات بالعملة الصعبة لإيران.
وتعود أهمية الجزيرة إلى ستينيات القرن الماضي، حين قررت إيران نقل محطة تصديرها الرئيسية من المياه الضحلة في الخليج إلى موقع يتمتع بمياه عميقة تتيح استقبال ناقلات النفط العملاقة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت خرج الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني.
من الحرب العراقية إلى صراع اليوم
خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، أدرك الرئيس العراقي صدام حسين أهمية هذه الجزيرة، فشنّ سلاح الجو العراقي هجمات مكثفة على منشآتها النفطية، ما ألحق بها أضراراً جسيمة. غير أن إيران أعادت بناء هذه المنشآت بعد الحرب بتكاليف باهظة، مستخلصة درساً أساسياً مفاده أن خرج تمثل مصدر قوة ونقطة ضعف في آن.
وقبل ثلاثة أسابيع من الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على إيران، كانت خرج قد بلغت ذروة طاقتها التشغيلية. ووفقاً لبيانات شركة "كبلر"، رفعت إيران صادراتها في شباط/فبراير 2026 إلى نحو 2.17 مليون برميل يومياً، وسجلت في الأسبوع المنتهي في 16 شباط رقماً قياسياً بلغ 3.79 ملايين برميل يومياً.
وتتمتع الجزيرة بقدرة تخزينية تقارب 30 مليون برميل، وكان مخزونها في أوائل آذار/مارس 2026 نحو 18 مليون برميل. وتعمل فيها ثلاث منشآت رئيسية للطاقة، أبرزها شركة "نفط فلات إيران"، التي تُعد أكبر منشأة لتكرير النفط في البلاد.
تأثير الهجوم على صادرات إيران
رغم الضغوط والعقوبات القصوى التي فرضتها الولايات المتحدة خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، واصلت الناقلات الإيرانية الإبحار من خرج نحو الصين وغيرها من الوجهات، ما وفّر للحكومة الإيرانية عائدات حيوية من العملة الصعبة.
وتلعب الصين دوراً محورياً بوصفها المستورد الأكبر للنفط الإيراني. وتشير التقديرات إلى أن النفط الإيراني يشكل نحو 11.6 في المئة من وارداتها البحرية، ويغطي نحو 13 في المئة من احتياجاتها النفطية الإجمالية. وتمثل هذه الصادرات نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني، ونحو نصف الإنفاق الحكومي.
ويُنقل هذا النفط عبر ناقلات تعمد إلى إطفاء أنظمة التتبع لتجاوز العقوبات، ما يعكس علاقة اعتماد متبادلة بين طهران وبكين، جعلت من خرج نقطة حساسة في الحسابات الاستراتيجية الأميركية.
وعليه، يمكن اعتبار خرج المركز الاستراتيجي للاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات. وأي استهداف لها لا يهدد تدفق الإيرادات فحسب، بل يضرب أيضاً سياسة "الاقتصاد المقاوم". ويبدو أن الهجوم الأميركي استهدف هذا الرمز تحديداً.
ورغم أن البنية التحتية النفطية لم تُستهدف مباشرة في الهجوم، فإن تأثيره غير المباشر على صادرات إيران كان كبيراً. فبحسب تحليلات الخبراء، كان مجرد التهديد كافياً لدفع الشركات المشترية، لا سيما المصافي الصينية المستقلة، إلى الامتناع عن تحميل الشحنات.
وتشير التقديرات إلى أن صادرات إيران تراجعت بين 30 و40 في المئة عقب هذه الهجمات.
تداعيات عالمية ومخاطر على سوق الطاقة
انعكس هذا التطور سريعاً على سوق الصرف في إيران، إذ تراجعت قيمة الريال أمام الدولار، فيما تسارع معدل التضخم الذي كان مرتفعاً أصلاً. وإذا استمرت الهجمات على خرج وتوقفت عمليات التصدير لفترة، فإن التداعيات ستكون كارثية.
فالسوق العالمية قد تخسر نحو مليوني برميل يومياً، ولن يكون من السهل تعويض هذا النقص في ظل استمرار التوترات.
بالتوازي مع الهجوم على خرج، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى متوسط 3.68 دولارات للغالون، مسجلة زيادة بنسبة 23.5 في المئة منذ بداية الحرب. ولا يعود السبب الرئيسي لهذا الارتفاع إلى الهجوم بحد ذاته، بل إلى المخاوف من اضطراب واسع في مضيق هرمز.
ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط في العالم. ومنذ اندلاع المواجهات، تراجعت حركة ناقلات النفط في هذا الممر تراجعاً شبه كامل.
ورغم حرص الولايات المتحدة على تجنب استهداف البنية التحتية النفطية في خرج، فإنها لم تتمكن من تهدئة الأسواق، إذ يدرك الفاعلون فيها أن "الخط الأحمر" التالي قد يتم تجاوزه في أي لحظة.
ويبرز هنا تناقض لافت في السياسة الأميركية: فمن جهة، تسعى واشنطن إلى ضبط أسعار الطاقة، ومن جهة أخرى تساهم في تصعيد غير مسبوق في المنطقة، نتيجة فجوة بين الأهداف قصيرة المدى ذات الطابع الانتخابي (خفض أسعار البنزين)، والأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى (إضعاف إيران).
أما مستقبل هذه الأزمة، فيعتمد على عدة عوامل: طبيعة ردّ إيران، وقدرة الولايات المتحدة على إقناع حلفائها بزيادة الإنتاج، ودور الصين بوصفها المستورد الأكبر للنفط الإيراني.
وبناءً على ذلك، إذا فتحت إيران مضيق هرمز، وأنهت تهديداتها للدول العربية، أو استخدمت المضيق كورقة ضغط في المفاوضات الديبلوماسية للوصول إلى وقف إطلاق النار، فقد تتمكن من احتواء الأزمة. أما في حال استمرار التصعيد، فإن استهداف البنية التحتية النفطية في خرج لن يبقى مجرد احتمال، بل سيتحول إلى واقع، مع تداعيات شديدة الخطورة على الاقتصاد العالمي.
نبض