ماذا عن "منطق الدولة" في "المنطقَين" المتناقضَين بشأن حرب "حزب الله" مع اسرائيل؟

آراء 18-03-2026 | 12:41

ماذا عن "منطق الدولة" في "المنطقَين" المتناقضَين بشأن حرب "حزب الله" مع اسرائيل؟

ماذا عن "منطق الدولة" في "المنطقَين" المتناقضَين بشأن حرب "حزب الله" مع اسرائيل؟
مجلس النواب اللبناني.
Smaller Bigger


تحتدم النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتعمّق في بعض المقالات التي تقارن بين سرديات الأطراف المتصارعة في لبنان، ويُستخدم فيها "منطق" و"منطق مضاد"، تأييداً أو رفضاً لما يقوم به "حزب الله" في حربه مع اسرائيل. وتدور النقاشات وكأنها تجري على منصة في ندوة أو في ورشة عمل أو في جلسة في مقهى، وليس في إطار دولة يحكمها دستور وقوانين وقرارات من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وعسكرية.

 

الغائب الأكبر في نقاش "المنطقَين" هو "منطق الدولة".

 

يُختصر النقاش بالحجج المقدّمة وبحسن ربط هذه الحجج بعضها ببعض، في علاقات سببية تجهد لأن تكون مقنعة. جانب من المشكلة في هذا النوع من النقاشات يكمن في موضوعية الحجة وفي صلابة الترابط بين السبب والنتيجة. جانب آخر في أنواع "المنطق" المستخدمة: تلك "الموضوعية" التي تستند الى وقائع والى العلاقات السببية، او تلك "الماورائية" التي تستند الى فرضيات غيبية ولا تربط النتائج بالأسباب بقدر ما تربطها بحتميات دينية أو إيديولوجية.

 

لكن المشكلة الأم تبقى في القدرة على "الإقناع"، اي إقناع الخصم. والخصم في اي شكل من أشكال الصراع، لا يقنعه "المنطق" وحده، بقدر ما تقنعه مراعاة مصلحته المادية او النفسية او الرمزية، او ما يعتقد انها مصلحته. وخاصة عندما يترافق النقاش مع شحنات انفعالية تغذّيها مصائب الحرب واوجاعها.

 

لذلك كان هذا الابتكار الإنساني السياسي العظيم، الذي عُرِف ب"الديمقراطية"، والذي اعتبر أن النقاش وحده لا يكفي لحل النزاعات الجماعية بين البشر، ومهما كانت فعالية المنطق المستخدم في عملية الإقناع، بل يحتاج الأمر الى اللجوء الى التصويت والى اعتماد نتيجته، حتى لا تبقى النزاعات عالقة وتتفاعل مع الزمن، او تتحوّل الى صراع مسلّح. وقد طُبّقت هذه الديمقراطية في اطار ما يُعرف بـ"الدولة"، شرط إحتكار السلاح من قبلها، والا فقدت الديمقراطية دورها في حل النزاعات بشكل سلمي.

 

"منطق الدولة" هو "منطق الديمقراطية" في هذه الدولة، اي منطق القرارات الصادرة بطريقة ديمقراطية عن المؤسسات الدستورية لهذه الدولة. النقاش حول ما يقوم به "حزب الله" في حربه مع اسرائيل لا يمكن ان يخرج عن "منطق الدولة" هذه، وكأن المسألة هي مسألة مفاضلة إيديولوجية بالمطلق بين إسرائيل-اميركا وايران، او كأنها مناظرة فكرية حول "المقاومة" بالمطلق، دون قاعدة قانونية- سياسية- اقتصادية- اجتماعية يجسّدها واقع الدولة التي يدور في اطارها النقاش.

 

لا يمكن "للثنائي الشيعي" الإدعاء بأنه لا يعترف بـ"منطق الدولة" فهو جزء فاعل في مؤسساتها الدستورية التي تأخذ القرارات المنتجة لهذا "المنطق". في المجلس النيابي كما في الحكومة كما في القضاء كما في المؤسسة العسكرية كما في الإدارات العامة، ان قوة تأثير "الثنائي الشيعي" في القرارات يتجاوز قوة تأثير المكونات الطائفية الأخرى، ربما بسبب احتكار التمثيل الشيعي من قبله، أو بسبب التأثير المتراكم لسلاح "حزب الله" على احوال المجتمع بشكل عام. وبالتالي لا يمكن للـ"ثنائي" ان يتنكر لـ"منطق الدولة" فيما هو يبرر ما يقوم به "حزب الله".

 

الذين يعارضون "حزب الله" لا ينطلقون هم أيضاً وبمعظمهم للأسف من "منطق الدولة"، بل ينغمسون بمحاججات يجرّهم اليها "حزب الله"، مثلاً حول صحة توقيت هجومه، أو اذا كان يدافع عن إيران او عن لبنان. الأسوأ من كل ذلك ان بعضهم ينزلق في "منطقه" الى درجة التشجيع على الاعتداءات الاسرائيلية.

 

ان ما يمليه "منطق الدولة" الذي عبّرت عنه الحكومة بصراحة، هو رفض "منطق" الجهتَين في حربهما على أرض لبنان. "لا علاقة لنا بالحرب لا من قريب ولا من بعيد" أكد رئيس الجمهورية. و"منطق الدولة" يعني في آن واحد تجريد "حزب الله" من سلاحه، وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها، اي وقف إعتداءات اسرائيل وانسحابها من لبنان.

 

ألم يحن الوقت لكي يتحرر اللبنانيون من هذه "الثنائيات القاتلة التي تلاحقنا كاللعنة"، كما سبق ان وصفتُ خضوعنا الدائم للثنائيات القاتلة التي طالما لاحقتنا منذ نشأة دولتنا: الشرق/ الغرب؛ اسرائيل/ سوريا؛ السعودية/ ايران؛ واليوم اميركا- اسرائيل/ إيران. في التحاقهم بهذه "الثنائيات" دفع اللبنانيون من أرواحهم وارزاقهم ثمن تبعيتهم، وانهارت دولتهم ويكاد يسقط وطنهم.

 

يبقى الأهم ان تتكلم الدولة نفسها بـ"منطق الدولة" والا تتلعثم من وقت لآخر. و"منطق الدولة" يجب أن يكون أساس الحوار بين اركانها، وتحديداً بين الرؤساء الثلاثة. على الرئيس برّي ان يحسم أمره، مع "منطق الدولة" او ضده، فمصير الكيان على المحك. لقد تقاعست الدولة عن بت مسألة سلاح "حزب الله" وتُرك الامر لإسرائيل لتعالجه على طريقتها. هل سيُترك لها الامر أيضاً لتقرر مصير الكيان وصيغة الحكم المستقبلية فيه، ام يتحمّل أركان الحكم مسؤولياتهم ويسائلون "حزب الله" صراحة حول موقفه من "منطق الدولة": هل هو يرفض هذا "المنطق" ام انه يرفض الدولة بحد ذاتها، التي بات يهدد بالإنقلاب على حكومتها بعد أن كان يهدد بالحرب الأهلية؟


من الأفضل فتح هذا النقاش صراحةً وبدون مواربة في إطار المؤسسات الدستورية، علّنا نحقن المزيد من الدماء التي تعدنا بها دون ادنى شك، سلوكيات اسرائيل و"حزب الله".

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/17/2026 5:20:00 AM
لا نيّة حالياً للتراجع عن الضريبة البالغة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، باعتبار أن التراجع عنها سيؤدّي إلى صعوبة في تأمين الإيرادات اللازمة لرواتب القطاع العام
اسرائيليات 3/17/2026 6:57:00 PM
بعد فيديو عن تعرّضها لاعتداء جنسي من قبل والديها… العثور على ابنة وزيرة الاستيطان الإسرائيلية جثة في منزلها