نحو انتحار حكومي: تحميل الجيش أثمان العقيدة السياسيّة وشَرعَنَة المقاومة

آراء 17-03-2026 | 02:18

نحو انتحار حكومي: تحميل الجيش أثمان العقيدة السياسيّة وشَرعَنَة المقاومة

بدلاً من محاولة الهروب إلى الأمام نحو الانتحار، يقتضي معالجة مكامن خللٍ جوهرية في نظام الحكم أولويّة مطلقة يليها تأهيل الجيش ودعمه، ومنح قيادته العقلانية الفرصة لتعيد بناء قدراته ومأسسة أجهزته وفقاً لعقيدة احتكار القوّة المسلّحة وتنفيذ خطط بسط سلطة الدولة...
نحو انتحار حكومي: تحميل الجيش أثمان العقيدة السياسيّة وشَرعَنَة المقاومة
نجحت المؤسسة العسكرية بالحفاظ على مصداقيتها خلال الأزمات الداخلية (أ ف ب)
Smaller Bigger

البروفسور أنطونيوس أبو كسم*


منذ العام 1990 والمقاومة الإسلاميّة تحظى بغطاء الدولة، التي شرّعت نشاطها، حتّى أصبحت هي الدولة. شرعيّتان اكتسبتهما المقاومة، شرعيّة الحكم وشرعيّة شعبيّة، حيث نجحت باختزال الشارع الشيعي وصولاً إلى احتلال جزء كبير من الشارع السنّي وخرق الشارع المسيحي حتّى الصميم.

لم يُنتخب رئيسٌ للجمهورية اللبنانيّة بعد الطائف أو يمدّد له إلّا بموافقة "حزب الله" وبشبه إجماع. ما بين عامي 1990 و2005، لم يكُن دور الحزب السياسي جلياً للعيان بسبب تقاسم الأدوار مع مخابرات نظام الأسد. أمّا بعد العام 2005، تبيّن للجميع أنّ الحزب مشروع سياسيّ قائم بذاته، ضامن أمنيّ لنظام الأسد وغير تابعٍ له.

حتّى العام 2025، لم يَخلُ أيّ بيانٍ وزاريّ من دعم المقاومة ومن تشريع حقّ فئة من الشعب بمقاومة الاحتلال. وبالرغم من شعار "جيش وشعب ومقاومة"، رفض "حزب الله" وضع استراتيجيّة دفاع وطنيّ تجعله تحت رقابة الدولة اللبنانيّة، بل أراد أن يبقى هو السلطة الرقابيّة في البلاد على المرافق الأمنيّة والحيويّة. ومحاكاةً للنموذج الإيراني، مارس الحزب دور الحرس الثوري الإيراني كجيش موازٍ يخضع جيش الدولة لعقيدته. واللافت هو قدرة الجيش اللبناني بعد الطائف من تطوير الشراكة مع الجيش الأميركي تدريباً وتجهيزاً، ليصبح نهجاً تارةً للحفاظ على مأسسة الجيش، وطوراً لمشاركة المقاومة بأوامر الحكومة حماية لمصالحها كقِيَمٍ عليا تعلو على الدستور.

تأقلمت المؤسسة العسكرية في المساكنة مع الحزب، إلّا أنها نجحت بالحفاظ على مصداقيتها خلال الأزمات الداخلية بالرغم من جرّها إلى تنفيذ مهامٍ ليست من مسؤوليتها. هذه المساكنة جعلت دخول الشباب المسيحي إلى المؤسسة متعثراً، ما أدّى إلى خللٍ ديموغرافي في عديد الجيش، لم تكترث له لا القيادات السيادية ولا الكنيسة، أقلّه حمايةً للتوازن والعيش المشترك.

في المُحصّلة، إنّ الحكم ما بعد الطائف انتزع من الجيش مسؤولية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقام "بتلزيمها" للمقاومة وأكسبها حصانة، خارجة عن رقابة الدولة والدستور، شرّعت الأبواب لاستثمار إيران الاستراتيجي في المتوسّط وعلى حدود إسرائيل.

إنّ حجم ترسانة السلاح الثقيل للحزب تحت مجاهر المجتمع الدولي من يونيفيل وغيرها، وعدم استخدامه بعد اغتيال السيّد حسن نصر الله واستخدامه بشكلٍ "متخصّص" بعد مقتل الإمام الخامنئي، يعني أنّ الحزب هو ليس ذراعاً لإيران بل أحد ركائز نظامها. إنّ إطلاق الصواريخ بعيدة المدى بالمئات وبشكلٍ ممنهج، ميزة لجيش نظاميّ، وليس لمجرّد تنظيم مسلّح. إنّ مصير هذه الترسانة ما فوق الأرض وفي جوفها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصير الحرب على إيران وبنتيجة المفاوضات مع حلفائها الدوليين، فتحقيق أهداف ترامب بشأن الصواريخ الباليستية والأذرع وحماية إسرائيل يطال "حزب الله".

عندما يكون جيش الحزب أقوى تجهيزاً من الجيش اللبناني، عندما تكون سلطة الطائف المتحوّرة قد كرّست أعرافاً أمنيّة وعقائد غير دستورية، ليس من السهل استفاقة الحكومة اللبنانيّة تحت الضغوط الخارجية لتطلب من الجيش، في التوقيت الخاطئ، مهامَّ مستحيلة والاختباء وراءه، وهي حكومة تشاركية مع "حزب الله"، مدّدت لنفسها وللنظام التشاركيّ البرلمانيّ لتكريس رئاسة المرشد التشريعي للمجلس النيابي.

إنّ المشكلة ليست بتردّد الجيش في تنفيذ المهام لمعرفته بحقيقة الميدان، بل المعضلة هي شنّ الجيش اللبناني هجوماً على "المقاومة" ليتحوّل جمهورها ومهجّروها إلى حرس الحزب الثوري وتتعرّى الدولة بكافة مؤسساتها. إنّ ميزان نتائج مواجهة عسكريّة كهذه حالياً، قد يصيب الحكم والحكومة ويكرّس موازين قوى غير متوقعة، تعيد البلد إلى الحروب المذهبية، ومحاولات فرض حكم الأكثرية العدديّة قتلاً للطائف؛ فأدنى التقديرات التوجّه بعد حمّام الدمّ إلى مؤتمر دوحة يكرّس إمّا المثالثة أو التقسيم.

بدلاً من محاولة الهروب إلى الأمام نحو الانتحار، يقتضي معالجة مكامنَ خللٍ جوهرية في نظام الحكم أولويّة مطلقة يليها تأهيل الجيش ودعمه، ومنح قيادته العقلانية الفرصة لتعيد بناء قدراته ومأسسة أجهزته وفقاً لعقيدة احتكار القوّة المسلّحة وتنفيذ خطط بسط سلطة الدولة، وعدم زجّه في حرب إقليمية ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فهو ليس جيش دفاعٍ عن مصالح أي طرف خارجي، ولا إقحامه في حرب "نظام المقاومة السنّية في سوريا ولبنان" ضدّ "نظام المقاومة الشيعيّة في لبنان". إنّ أيّ سقوطٍ للجيش سيعقبه حتماً سقوط الدولة وليس فقط رموزها.

 

*محامٍ دولي وأستاذ جامعيّ

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/15/2026 9:20:00 PM
الخليج وبريطانيا يدينان تهديدات إيران للملاحة ويؤكدان حماية مضيق هرمز وباب المندب
الخليج العربي 3/16/2026 8:49:00 AM
"طيران الإمارات" تتوقّع تشغيل رحلات دبي بجدول محدود اليوم
كتاب النهار 3/16/2026 3:32:00 PM
الرئيس السوري يدرك جيداً أن أيّ تحريك للمجموعات المقاتلة المرتزقة التي حاربت في سوريا تحت لواء "داعش" و"جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، سيخرج المارد من القمقم
اقتصاد وأعمال 3/16/2026 11:19:00 AM
يكفي تعثر الملاحة فيها كي تتوقف مصانع، وتتأخر شحنات، وتُعاد حسابات القوى الكبرى.