إيران بعد علي خامنئي: صعود الدولة الأمنية واحتمال الفيدرالية
نزيه الخياط*
اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران يمثلان نقطة تحول تاريخية في مسار الجمهورية الإسلامية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة توازنات النظام بين المرجعية الدينية، والمؤسسات الأمنية، والسلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، انتقل مركز القرار بسرعة إلى الحرس الثوري، مع انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً لوالده في خطوة حملت سمات انقلاب سياسي وأمني واضحة، خصوصاً أنها تمثل خروجاً على أحد أهم مرتكزات الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني، والمتمثل في رفض مبدأ التوريث داخل بنية النظام أياً تكن مبرراته أو مستوياته. وهو ما يفتح الباب نظرياً أمام الطعن بشرعية هذه الخطوة في نظر بعض التيارات السياسية والدينية داخل الجمهورية الإسلامية.
هذا التحول يضع النظام أمام اختبار حقيقي لشرعيته الداخلية، ويعيد طرح السؤال المركزي حول كيفية إدارة التنوع القومي والمذهبي في إيران، مع احتمال ظهور نقاشات مستقبلية حول صياغات لامركزية أو حتى فيدرالية، خصوصاً إذا استمرت سياسات المركز الفارسي في تهميش باقي القوميات. كما أن العملية الانتخابية التي جرت داخل مجلس خبراء القيادة أثارت تساؤلات واسعة حول مدى التزام الآليات الدستورية التقليدية، ما يعكس تأثير اللحظة الاستثنائية للحرب على القرارات السياسية في البلاد.
في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تدخل مرحلة انتقالية مختلفة عن الصيغة التي عُرفت بها الجمهورية الإسلامية طوال العقود الأربعة الماضية، إذ يتراجع التوازن التقليدي بين المؤسسات لمصلحة صعود مركز قرار أمني أكثر تماسكاً.
انتقال مركز السلطة: من النظام الديني المركّب إلى الدولة الأمنية
النظام الإيراني قام تاريخياً على توازن دقيق بين مقر المرشد، رئاسة الجمهورية، الحوزة الدينية، الجيش التقليدي، الحرس الثوري، قوات الباسيج، وشبكات البازار الاقتصادية. وقد منح هذا التوازن الجمهورية الإسلامية قدرة على الاستقرار النسبي رغم الأزمات المتكررة التي واجهتها منذ قيام الثورة.
لكن التحولات الأخيرة تشير إلى صعود واضح للمؤسسة الأمنية ـ الحرس الثوري ـ كمركز فعلي للقرار، بينما يبدو الجيش التقليدي أقل تأثيراً في هذه المرحلة. ومع هذه الهيمنة الأمنية، يتحول النظام تدريجياً من نموذج الدولة الدينية المركّبة إلى نموذج دولة أمنية مركزية بغطاء ديني رمزي، وهو ما يعقّد علاقاته البينية مع المكونات السلطوية الأخرى ويخلق قدراً لا يستهان به من الهشاشة داخل بنية الحكم.
ومن المهم التمييز هنا بين الجيش الإيراني التقليدي الذي يمثل مؤسسة عسكرية وطنية تاريخية، وبين المؤسسة العسكرية الثورية التي يمثلها الحرس الثوري. فالتحول الجاري لا يعكس صعود الجيش النظامي إلى السلطة على غرار الانقلابات العسكرية التقليدية، بل يشير إلى تعاظم نفوذ مؤسسة ثورية أيديولوجية نشأت أصلاً لحماية النظام بعد الثورة.
ويرى بعض المراقبين أن إيران دخلت بالفعل مرحلة سياسية جديدة تنتقل فيها من نموذج النظام الثوري متعدد المراكز إلى نموذج الدولة الأمنية الأكثر مركزية، مع احتفاظها بغطاء ديني يمنحها شرعية رمزية من دون أن يبقى هذا الغطاء المصدر الحقيقي للسلطة.
تصدير الثورة وبناء النفوذ الإقليمي
لفهم أبعاد هذا التحول الداخلي، لا بد من العودة إلى المشروع الإقليمي الذي بنته إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فمنذ ذلك التاريخ، لم يقتصر دور طهران في الشرق الأوسط على السياسة الخارجية التقليدية، بل ارتبط برؤية أوسع قامت على فكرة تصدير الثورة وبناء شبكة نفوذ عابرة للدول.
في السنوات الأولى، قدمت الثورة الإيرانية خطاباً إسلامياً جامعاً ركز على مفاهيم الاستقلال والعدالة ومقاومة الهيمنة الخارجية، ما منحها قدرة على استقطاب تعاطف سياسي واسع في عدد من المجتمعات الإسلامية. ومع مرور الوقت، تطور هذا الخطاب إلى سياسة أكثر تنظيماً هدفت إلى تطبيق المبدأ الدستوري في تصدير الثورة، واستطراداً إلى بناء شبكة نفوذ إقليمية عبر تحالفات سياسية وقوى محلية مسلحة أو شبه مسلحة في دول المنطقة، ما سمح لطهران بتعويض جزء من القيود الجغرافية والاقتصادية وتحويل حضورها الإقليمي إلى عنصر ردع غير مباشر.
وخلال عقود قليلة، تمكنت إيران من ترسيخ حضور مؤثر في عدد من ساحات الشرق الأوسط، مستفيدة من الفراغات السياسية التي خلّفتها الحروب والانقسامات الداخلية، والتي كان لإيران حضور واضح في تشكيل مساراتها. غير أن هذا النفوذ واجه أيضاً حدوداً بنيوية مع تصاعد النزاعات المذهبية في المنطقة، ما قلص جزءاً من قدرتها على تقديم نفسها كمشروع إسلامي جامع.
التعدد المذهبي: من أداة نفوذ إلى عبء استراتيجي
التوسع الإيراني في ساحات الصراع ترافق مع تصاعد البعد المذهبي، ما أدى إلى توتر مع قطاعات واسعة من المجتمعات السنية التي تشكل الأكثرية الوازنة في الديموغرافيا العربية التي يتجاوز عددها 460 مليون نسمة، سواء في المشرق العربي أم في مغربه. وقد كشف هذا التوتر حدود قدرة إيران على تقديم نفسها كمشروع إسلامي جامع، إذ أصبح النفوذ الإيراني يُنظر إليه في كثير من الأحيان على أنه ذو بعد مذهبي أكثر منه مشروعاً سياسياً جامعاً.
وساهم هذا التحول في تقليص هامش التمدد الإيراني خارج بيئاته الحليفة المباشرة، في الوقت الذي وجدت فيه قوى إقليمية ودولية في هذه التوترات مدخلاً إضافياً لمواجهة النفوذ الإيراني.
وهكذا أصبح التعدد المذهبي، الذي استخدم في مرحلة معينة أداة لبناء النفوذ الإقليمي، يتحول في ظروف أخرى إلى عبء استراتيجي على الدولة نفسها. وهو ما يعيد طرح الحاجة إلى إدارة سياسية حساسة ومتبصّرة لتداعيات التدخلات الإيرانية في بيئات تختلف عنها في بنيتها المجتمعية والدينية والسياسية.
التنوع القومي داخل إيران: عامل استقرار أم تحدٍ استراتيجي؟
تضم إيران مكونات قومية متعددة، أبرزها الفرس، الأذريون، الأكراد، العرب، البلوش، والتركمان، إضافة إلى تنوع ديني ومذهبي واسع. ويكتسب هذا التنوع أهمية خاصة بسبب التوزع الجغرافي لهذه المكونات في مناطق حدودية ونموها الديموغرافي المطرد ومطالبتها بالاعتراف بخصائصها الهوياتية القومية لغوياً وثقافياً، ما يجعل أي توتر داخلي ذا امتدادات إقليمية محتملة.
وفي ظل صعود الدولة الأمنية المركزية والتمسك بالهوية القومية الفارسية، قد تتعاظم المخاطر المرتبطة بإدارة هذا التنوع، خصوصاً إذا استمرت السياسات المركزية في تهميش هذه المكونات القومية. وهنا قد تعود إلى الواجهة نقاشات قديمة حول طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، بما في ذلك احتمالات اللامركزية السياسية أو الفيدرالية.
إن التحدي الحقيقي لا يقتصر على إدارة مرحلة انتقال السلطة بعد خامنئي، بل يمتد إلى كيفية تحقيق توازن مستقر بين مركزية الدولة وحاجة المكونات القومية المتعددة إلى مشاركة سياسية واقتصادية أكثر عدالة داخل بنية الدولة.
عندما ينقلب السحر على الساحر
تظهر التجارب الدولية أن أدوات النفوذ الخارجي يمكن أن تتحول في لحظة معينة إلى عناصر ضغط داخل الدولة نفسها. وفي الحالة الإيرانية، قد يؤدي صعود الدولة الأمنية وغياب التوازن التقليدي بين المؤسسات إلى إعادة إحياء النقاشات القومية الداخلية.
وفي هذا السياق، قد تتحول مطالب الفيدرالية أو الحكم الذاتي إلى أدوات ضغط سياسية على النظام المركزي في المستقبل، خصوصاً إذا استمرت الأزمات الاقتصادية والضغوط الإقليمية.
وتكمن المفارقة في أن الأدوات التي استُخدمت لتوسيع النفوذ الإقليمي بدأت تتحول تدريجياً إلى تحديات داخلية، إذ لم تُدر طوال العقود الماضية بذكاء وحنكة سياسية تأخذ في الاعتبار النمو الديموغرافي المتزايد للمكونات القومية المتعددة، وصعود النزعات المطالبة بالاعتراف بهوياتها الوطنية والثقافية.
الاختبار الاستراتيجي للنظام الإيراني
تمتلك الدولة الإيرانية مؤسسات مركزية قوية وخبرة طويلة في إدارة الأزمات، لكنها اليوم تواجه اختباراً غير مسبوق يتمثل في إدارة مرحلة انتقال السلطة بعد اغتيال علي خامنئي، والتكيف مع شرق أوسط سريع التغير، وإعادة النظر في نموذج النفوذ الإقليمي الذي بنته خلال العقود الماضية.
وفي الوقت نفسه، يتعين على النظام التعامل مع إشكالية التصاعد الهوياتي للقوميات داخل الدولة، وهو عامل قد يفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف في المستقبل.
هذه اللحظة التاريخية قد تحدد مسار الجمهورية الإسلامية لعقود قادمة، بين خيار ترسيخ نموذج الدولة الأمنية المركزية وبين احتمال بروز نقاشات حول صيغ سياسية أكثر لامركزية تفادياً لفرضية تقسيم الجغرافيا الإيرانية البالغة مساحتها نحو 1,650,000 كيلومتر مربع، وتوزعها بين قوميات متجانسة هوياتياً تمتد جغرافياً إلى ما وراء حدود إيران نحو الدول المحيطة بها.
كما أن الصراع الذي قد يحتدم بين التيار الثوري المؤدلج الساعي إلى الاستفراد بالسلطة بعد اغتيال علي خامنئي، وبين الدولة الإيرانية بأركانها المؤسساتية والأمنية من جهة، والمؤسسة الدينية التي قد تزداد هشاشة وتهميشاً من جهة أخرى بعد انقشاع غبار الحرب، سيشكل أحد العوامل الحاسمة في تحديد مستقبل النظام السياسي في إيران ووحدة أراضيه.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض